
رجعت البلد بس المرة دي مش راكب عربية شيك ولا معايا زوجة قاهرية أتباهى بيها، رجعت بشنطة هدومي القديمة وكسرة في نفسي مابتتمحيش. البيت الكبير اللي كنت شايفه ، بقى هو المأوى الأخير ليا.
بس الصدمة الحقيقية كانت لما نزلت الشركة عشان أطلب من أبويا حصتي في أرباح الأرض والمحصول. دخلت المبنى الفخم اللي أنشأته منار في مركز المدينة، واستنيت في مكتب الانتظار زي أي موظف أو عميل صغير. الموظف بصلي وطلب مني أستنى لما “الدكتورة منار” تفضى.
قعدت ساعتين كاملين على الكرسي، أدوق طعم الذل والانتظار اللي ذقتهولها زمان. ولما أذنتلي أدخل، دخلت المكتب.. كانت
قاعدة ورا مكتب خشبي عريض، حواليها أوراق ومخططات هندسية، وراها شهادات تقدير ودروع تكريم من المحافظ.
رفعت عينها عن الأوراق وبصلتي ببرود، وبصوت هادي خال من أي تشفي قالت: “خير يا شريف؟ أظن المحاسب سلمك مصاريفك الشهرية اللي عمي حددها لك”.
قلت بحشرجة وصوت واطي مش طالع: “أنا مهندس يا منار.. محتاج أشتغل هنا، محتاج أرجع أقف على رجلي.. أنا خسرت كل حاجة في القاهرة”.
سكتت لحظات، وابتسمت ابتسامة خفيفة أشد قسوة من أي شتيمة، وقالت: “الشغل هنا للناس اللي بتخاف على اسم الشركة وشرف العمل.. أنت جربت قبل كده تهدم كل حاجة في لحظة عشان هوى نفسك. لو عايز تشتغل، في وظيفة مهندس موقع تحت التمرين في مشروع الصحرا الغربية.. المواعيد من ٧ الصبح، والمرتب على قد المجهود.. تناسبك؟”
وافقت وأنا باصص في الأرض.. قبلت الوظيفة الصغيرة تحت إدارتها وإشرافها، وبقت هي اللي بتوقع على خصوماتي وتراجع تقاريري الهندسية.
كل يوم الصبح وأنا واقف في الشمس والتراب في الموقع، .. بفتكر دموعها ونشيجها اللي كان يقطع القلب، ونظرتها وهي بتقولي “افتكر اليوم ده كويس”. عرفت وقتها إن ربنا ما بيسيبش حق حد، وإن العدالة الإلهية ممكن تتأخر بس لما بتيجي، بتيجي حاسمة وموجعة. أنا ما خسرتش بس حريتي اللي كنت بحلم بيها، أنا خسرت نفسي وكرامتي، وبقيت عايش خدام في المملكة اللي بنتها الإنسانة اللي حاولت أتدوس عليها زمان.

