
«اعتبري نفسك مراتي. ارقصي معايا دلوقتي.»
راجل غريب مد إيدهولي وسط قاعة الفرح، في الوقت اللي جوزي السابق كان واقف بيتفرج عليّ جنب الست اللي سابني عشانها وأنا حامل.
قبلها بثلاث دقايق بس، كنت قاعدة لوحدي على ترابيزة في آخر القاعة.
فرح أختي سلمى كان في قاعة فخمة مليانة نجف كريستال، وورد أبيض، ومئات المعازيم.
وأنا كنت قاعدة جنب باب المطبخ.
«ترابيزة احتياطي العيلة»… كده كانوا بيسموها.
يمكن عشان كل الناس تفهم أنا واخدة مكان إيه بالظبط.
ماما طول الفرح كانت بتكرر:
— يا نور، كان ممكن تيجي ومعاكي حد.
كنت بس بابتسم.
هي ما كانتش تعرف إن أهم شخص في حياتي كان مستنيني في البيت.
بنتي الصغيرة ليلى، عندها خمس سنين.
كانت عايزة تلبس في الفرح فستان نبيتي قديم، إحنا اللي لقيناه سوا، لكنهم قالولي إن وجود الأطفال في الفرح «مش هيكون مريح».
سيبتها مع صاحبتي، ووعدتها أرجع لها بحتة جاتوه.
الوعد ده كان السبب الوحيد اللي مخليني ما أمشيش من الفرح بدري.
وفجأة، كريم قرب من ترابيزتي.
جوزي السابق.
قال:
— ارقصي معايا يا نور.
رديت من غير ما أبص له:
— لأ.
ابتسم بنفس الابتسامة اللي زمان خلّتني أصدق إني أهم حاجة في حياته.
— إحنا عيلة في الآخر.
بصيت لـداليا، مراته الحامل.
وقلت:
— إنت اتجوزت بنت خالتي. ده مش معناه إننا بقينا عيلة.
ملامحه اتغيرت.
— إنتِ دايمًا بتعاقبي الناس عشان كملوا حياتهم.
ما رديتش.
لأنه فعلًا كمل حياته.
سابني بعد تلات أيام بس من اليوم اللي قلت له فيه إني حامل.
قال وقتها:
— إنتِ اخترتي الطفل.
بصيت له وقلت:
— لأ… أنا اخترت بنتنا.
بص على فستاني البسيط، وقال بسخرية:
— كان المفروض تبقي دكتورة. دلوقتي بقيتي ممرضة وبتجري بالعافية على مصاريفك.
الكلام وجعني.
لكن رديت:
— أنا كل يوم بنقذ أطفال.
ابتسم بسخرية.
— داليا ما ضيعتش مستقبلها.
وبعدين رجع لها.
هي حطت إيدها على بطنها وبصتلي بنظرة كأنها خلاص كسبت.
فضلت قاعدة أحاول أمنع دموعي من النزول.
وفجأة شفت راجل واقف جنب البار.
طويل.
هادي.
وفي دقنه ندبة صغيرة، ونظرته كانت نظرة واحد متعود يسيطر على المكان كله.
قرب مني.
وقال:
— نور.
رفعت عيني له.
— إحنا نعرف بعض؟
— لأ.
ومد إيده ناحيتي.
— بس دلوقتي إنتِ محتاجة حليف.
قطبت حواجبي.
— الكلام ده غريب جدًا.
— ممكن.
— طب إنت عايز مني إيه؟
بص ناحية عيلته.
وقال:
— محتاج أقنعهم إني أخدت قراري خلاص.
بصيت له باستغراب.
— وعايزني أمثل إني مراتك؟
— بالظبط.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة غرابة الموقف.
— إنت حتى ما تعرفنيش.
رد بكل هدوء:
— نور جابر. عندك تسعة وعشرين سنة. ممرضة أطفال. أم ليلى، خمس سنين. وأخت العروسة الكبيرة.
قلبي وقف للحظة.
— إنت عرفت الكلام ده منين؟
عينيه راحت ناحية كريم.
وقال:
— ساعات الناس ما بتشوفش غير الحاجة اللي خسروها.
سألته:
— اسمك إيه؟
قال:
— جيوفاني فيرو.
كام شخص كانوا واقفين قريب مننا سكتوا فجأة.
أنا لاحظت.
وهو كمان لاحظ.
سألته:
— الاسم ده معناه حاجة؟
مد إيدهولي مرة تانية.
وقال:
— مش النهارده.
الموسيقى اتغيرت.
كريم كان بيبص ناحيتنا.
وداليا كمان.
قال جيوفاني بصوت منخفض:
— قدامنا حوالي عشر ثواني.
بصيت لإيده.
وبعدين بصيت للراجل اللي سابني لوحدي زمان.
وبصيت للست اللي كانت فاكرة إنها كسبت.
وبعدين عملت حاجة محدش كان متوقعها.
مسكت إيده.
وفي اللحظة دي، القاعة كلها فهمت إن اللي قدامهم مش مجرد رقصة عابرة.
هم كانوا بيتفرجوا على بداية حاجة هتغيّر كل حاجة.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️أول ما مسكت إيده، حسيت إن كل العيون في القاعة اتوجهت علينا.
جيوفاني شد على إيدي بهدوء، وقرب مني وقال من غير ما يبتسم:
— ابتسمي.
همست:
— أنا مش عارفة إنت بتعمل إيه.
— وأنا كمان مش عارف ليه اخترتك إنتِ بالذات… بس واضح إننا الاتنين محتاجين الليلة دي.
بدأنا نتحرك مع الموسيقى.
كنت متوترة بشكل مش طبيعي، خصوصًا وأنا شايفة كريم واقف مكانه كأنه مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
أما داليا، فوشها كان متجمد.
قالت بصوت عالي:
— كريم… مين الراجل ده؟
كريم ما ردش.
عينيه كانت مثبتة على إيد جيوفاني وهي ماسكة إيدي.
بعد لحظات، قرب كريم مننا.
— نور، ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
جيوفاني وقف قدامي مباشرة.
— هي مش لوحدها.
كريم بص له بضيق:
— وإنت مالك؟
جيوفاني ابتسم ابتسامة باردة.
— من اللحظة اللي بقت فيها مراتي، كل حاجة تخصها بقت تهمني.
اتسعت عيني.
مراتي؟
أنا كنت متفقة معاه يمثل بس!
همست له:
— مراتي إيه؟ إحنا قولنا نمثل!
رد من غير ما يبصلي:
— عارف.
وبعدين قرب أكتر وقال بصوت محدش يسمعه غيري:
— بس لو عايزة تخرجي من الفخ ده من غير ما تتكسري، لازم تصدقي الدور قبلهم.
سكت.
لأول مرة، حسيت إن الراجل ده مش بيتصرف بعشوائية.
كان عنده خطة.
كريم قال بعصبية:
— نور، إنتِ تعرفي الراجل ده منين؟
قبل ما أرد، جيوفاني قال:
— من مكان إنت عمرك ما كنت تستحق تدخله.
كريم اتوتر.
— إنت بتتكلم عن إيه؟
جيوفاني بص له بثبات:
— عن المستقبل.
وبعدين مد إيده لي.
— حبيبتي، نروح نقعد شوية؟
كلمة “حبيبتي” خلت قلبي يدق أسرع.
مش بسبب الرومانسية.
بسبب الإحساس الغريب إن الراجل ده عارف أكتر مما بيقول.
مشينا بعيد عنهم، ولما وصلنا ناحية البلكونة، سحبت إيدي بسرعة.
— كفاية.
بصلي.
— إيه؟
— إنت مين بالظبط؟
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال:
— أنا الشخص اللي عيلتك كانت مستنية تشوفه من سنين.
ضحكت بتوتر.
— عيلتي؟ إنت بتهزر؟
هز رأسه.
— لأ.
قرب خطوة.
— وأختك سلمى مش السبب الحقيقي في إنهم منعوا الأطفال من الفرح.
اتجمدت مكاني.
— قصدك إيه؟
— ليلى.
مجرد ما قال اسم بنتي، الدنيا لفت بيا.
— إنت تعرف بنتي؟
ملامحه اتغيرت لأول مرة.
— أنا مش عارفها شخصيًا.
— أومال عرفت اسمها إزاي؟
بص في عيني وقال:
— لأن اسمها ظهر في ملف أنا كنت بدور فيه من فترة.
قلبي وقع.
— ملف إيه؟
قبل ما يرد، تليفونه رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه تمامًا.
رد:
— اتكلم.
سكت يسمع.
وبعدين قال:
— إمتى؟
صمت تاني.
— متأكد؟
قفل المكالمة وبصلي.
— نور… لازم تمشي من هنا دلوقتي.
— ليه؟
— لأن الشخص اللي كنت خايف منه وصل.
بصيت ناحية باب القاعة.
وكان كريم واقف هناك.
لكن المرة دي…
ما كانش لوحده.
كان واقف جنب راجل غريب، ولما الراجل شافني، رفع إيده وأشار ناحيتي.
جيوفاني مسك إيدي بقوة.
وقال:
— متبصيش وراكي.
همست:
— ليه؟
قال بصوت منخفض:
— لأن الراجل ده هو آخر شخص في الدنيا كنت أتمنى يعرف إنك هنا.
وبعدين قرب من ودني وقال:
— وإنتِ لسه ما تعرفيش إن أبو بنتك الحقيقي… مش كريم.
اتجمدت مكاني.
— إيه؟!
ابتسم ابتسامة حزينة.
— أيوه يا نور.
— ليلى مش بنت كريم.
وساعتها…
وقعت مني الكوباية على الأرض.
واتكسرت.
زي كل حاجة كنت مصدقاها عن حياتي.فضلت باصة له كأني مستنية يقول إنه بيهزر.
لكن جيوفاني ما ضحكش.
قلت بصوت مرتعش:
— إنت بتقول إيه؟
— بقول الحقيقة.
— مستحيل.
هز راسه بهدوء.
— كريم كان عارف إن ليلى مش بنته.
حسيت رجلي مش شايالاني.
— إزاي؟
قرب مني، لكن المرة دي صوته كان أهدى.
— لأن قبل ما تتجوزي كريم، كان في شخص تاني في حياتك.
سكت.
أنا ما كنتش فاهمة هو بيتكلم عن مين.
— أنا ما كانش في حد.
— كان.
بصلي في عيني.
— وإنتِ نسيتيه.
اتخضيت.
— نسيته إزاي؟
— لأن اللي حصل من خمس سنين ما كانش طبيعي.
حاولت أفتكر.
قبل كريم.
قبل الحمل.
قبل كل حاجة.
لكن ذاكرتي كانت فيها فراغ غريب.
حاجات كتير كنت دايمًا بعتبرها تفاصيل صغيرة، وعمري ما سألت نفسي ليه مش فاكرة بدايتها.
قلت:
— إنت عايز توصل لإيه؟
رد:
— إن ليلى اتولدت بعد حادثة.
اتجمدت.
— حادثة إيه؟
قبل ما يجاوب، سمعنا صوت كريم من ورايا:
— نور!
لفيت.
كان واقف بعيد، ووشه شاحب.
أما الراجل الغريب اللي كان واقف جنبه، فاختفى.
كريم قرب مني بسرعة.
— مين قالك الكلام ده؟
بصيت له.
— إنت كنت عارف؟
سكت.
وده كان كفاية.
صرخت:
— إنت كنت عارف إن ليلى مش بنتك؟!
الناس بدأت تبص علينا.
كريم قرب وقال من بين أسنانه:
— وطي صوتك.
— جاوبني!
داليا وصلت عندنا، وحطت إيدها على بطنها.
— كريم، هي بتتكلم عن إيه؟
كريم بص لها، وبعدين بصلي.
— مش هنا.
قلت:
— لأ. هنا.
جيوفاني وقف جنبي.
— هي من حقها تعرف.
كريم بص له بغضب:
— إنت مالك؟
جيوفاني رد بهدوء:
— أكتر مما تتخيل.
وفجأة، صوت خبط قوي جه من ناحية باب القاعة.
الناس اتلفتت.
وبعد ثواني، دخل راجلين ببدل سوداء.
واحد منهم قرب من جيوفاني وقال:
— لازم نمشي حالًا.
جيوفاني ما اتحركش.
— هي هتيجي معايا.
بصيت له:
— أنا مش هروح في أي مكان قبل ما أفهم.
مد إيده لجيب بدلته وطلع صورة قديمة.
حطها قدامي.
أول ما شفت الصورة…
نفسي اتقطع.
كنت أنا فيها.
من خمس سنين.
وشي كان أصغر.
لابسة فستان أبيض بسيط.
وواقفة جنب راجل…
ما كنتش فاكرة إني قابلته في حياتي.
لكن عينيه…
كانت نفس عيون ليلى.
بصيت لجيوفاني وأنا مش قادرة أتكلم.
قال:
— ده والد ليلى الحقيقي.
بلعت ريقي.
— مين هو؟
جيوفاني سكت لحظة.
وبعدين قال:
— أخويا.
وفي نفس اللحظة، تليفوني رن.
كانت صاحبتي.
رديت بسرعة.
صوتها كان مليان خوف:
— نور… تعالي بسرعة.
— ليه؟ ليلى حصل لها حاجة؟
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت:
— في راجل جه هنا بيسأل على بنتك.
— مين؟
صوتها ارتعش:
— قال إنه والدها.
بصيت لجيوفاني.
وشه كان اتغير تمامًا.
قال:
— اقفلي.
— ليه؟
— لأننا لازم نوصل لليلى قبل ما هو يوصل لها.
— وإنت تعرفه؟
بصلي بثبات.
— أعرفه.
— مين هو؟
فتح باب القاعة.
وقال جملة خلت التفكير يتلخبط في راسي:
— والد ليلى الحقيقي… مات من خمس سنين.
سكت لحظة.
وبعدين بصلي:
— والراجل اللي بيدور عليها دلوقتي… هو الشخص اللي اذاه.حسيت إن الدنيا بتلف حواليا.
— مات؟!
جيوفاني هز راسه.
— أيوه.
— وإزاي حد يأذي واحد ميت من خمس سنين؟!
بصلي بنظرة غامضة.
— أنا ما قلتش إن اللي بيدور على ليلى هو والدها.
— أومال مين؟
— الشخص اللي كان سبب في موته.
مسكت دراعه.
— جيوفاني، أنا مش فاهمة حاجة!
— هتفهمي… بس مش هنا.
سحبني ناحية باب القاعة.
كريم حاول يمنعنا.
— نور، استني!
وقفت.
بصيت له للمرة الأخيرة.
— إنت كنت عارف إن ليلى مش بنتك؟
وشه انهار.
— كنت شاكك.
— من إمتى؟
سكت.
صرخت:
— من إمتى يا كريم؟!
قال بصوت واطي:
— من يوم ما اتولدت.
حسيت إن قلبي اتكسر.
خمس سنين.
خمس سنين وأنا فاكرة إن الراجل ده أبو بنتي.
خمس سنين وهو عارف الحقيقة وسايبني أعيش في الكذبة.
قلت:
— طب ليه ما قلتليش؟
رد:
— لأن لو عرفتي… كانوا هيأذوكي.
جيوفاني بص له بحدة.
— مين “هم”؟
كريم ما ردش.
لكن داليا قالت فجأة:
— كفاية.
بصينا لها.
كانت واقفة ووشها أبيض.
قالت:
— كريم، إحنا اتفقنا إن الموضوع ده يفضل مدفون.
أنا بصيت لها.
— إنتِ كمان كنتِ عارفة؟
داليا ما ردتش.
وساعتها فهمت.
الخيانة ما كانتش مجرد خيانة.
كان في سر أكبر بكتير.
جيوفاني قرب مني وقال:
— نور، لازم نخرج.
— وأنا مش هسيب بنتي.
— ولا أنا هسيبها.
خرجنا من القاعة بسرعة.
وأول ما ركبنا العربية، تليفوني رن تاني.
صاحبتي.
رديت.
— ألو؟
جالي صوت ليلى من الناحية التانية:
— ماما؟
دموعي نزلت فورًا.
— ليلى! حبيبتي، إنتِ كويسة؟
— آه.
سمعت صوت صاحبتي.
— هي كويسة يا نور، بس في حاجة غريبة حصلت.
— إيه؟
— الراجل اللي جه هنا… لما شاف ليلى، وقف مكانه.
— وبعدين؟
— قال جملة واحدة.
— قال إيه؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— قال: “دي نسخة من أبوها.”
قلبي وقف.
بصيت لجيوفاني.
هو كان سامع كل حاجة.
قال:
— خليكي على الخط.
وبعدين ضغط على زر السماعة.
صاحبتي كملت:
— وبعدها مشي.
قلت بسرعة:
— مشي فين؟
— قال إنه راجع.
جيوفاني تنهد تحت نفسه.
قلت:
— جيوفاني، مين الراجل ده؟!
ما ردش.
بدل كده، فتح درج العربية وطلع ملف أسود.
حطه في حجري.
— افتحيه.
بصيت له بتردد.
فتحت أول ورقة.
كانت شهادة ميلاد ليلى.
لكن اسم الأب…
كان مكتوب فيه اسم مختلف تمامًا عن كريم.
صرخت:
— إنت كنت مخبي الورقة دي فين؟!
— معايا من سنين.
— ليه؟
— لأن أخويا قبل ما يموت، سلمني الملف ده.
قلبت الورقة.
لقيت صورة.
صورة لراجل شاب واقف قدام مستشفى.
وتحت الصورة جملة مكتوبة بخط اليد:
“لو حصل لي حاجة، احمِ نور وليلى… لأن اللي حصل مش حادث.”
إيدي بدأت ترتعش.
— يعني موته كان مشكلة؟
جيوفاني قال:
— أيوه.
— ومين اذاه؟
سكت.
— مين يا جيوفاني؟
بصلي في عيني.
— الشخص اللي كان أقرب واحد ليه.
وفجأة، تليفوني رن للمرة التالتة.
رقم غريب.
رديت.
مافيش صوت.
بس بعد ثواني، سمعت همسة رجالية:
— نور…
اتجمدت.
— مين؟
ضحكة خافتة جت من الطرف التاني.
وبعدين قال:
— لو عايزة بنتك تفضل عايشة… ما تثقيش في جيوفاني.
الخط اتقفل.
بصيت لجيوفاني.
كان ساكت.
لكن لأول مرة…
شفت الخوف الحقيقي في عينيه.فضلت ماسكة الموبايل وأنا باصة لجيوفاني.
— قال لي ما أثقش فيك.
ما ردش.
— سمعت؟
— سمعت.
— مين كان بيتكلم؟
بص قدامه وقال:
— الشخص الوحيد اللي كنت بحاول أبعدك عنه.
— وعايزني أصدقك بعد اللي سمعته؟
— لأ.
لف ناحيتي.
— عايزك تصدقي الأدلة.
فتح الملف الأسود تاني، وطلع منه مجموعة صور.
حط أول صورة قدامي.
كانت صورة كريم.
وفي الصورة كان واقف قدام المستشفى اللي اتولدت فيها ليلى.
التاريخ كان قبل ولادتها بأسبوع.
بصيت له بدهشة.
— كريم كان هناك؟
— أيوه.
حط صورة تانية.
كانت داليا.
— وهي كمان.
وبعدين صورة تالتة.
كانت لأمي.
اتخنقت.
— ماما؟!
جيوفاني قال بهدوء:
— كلهم كانوا عارفين إن في حاجة حصلت قبل ولادة ليلى.
— وإنت؟
— أنا وصلت متأخر.
قلبت الصور بسرعة.
— طب أخوك؟
حط قدامي صورة الراجل اللي شوفته قبل كده.
— اسمه آدم.
فضلت أبص للصورة.
كان في حاجة في ملامحه مألوفة جدًا.
مش بس عيونه.
حتى الابتسامة.
همست:
— أنا شفته قبل كده.
جيوفاني سأل بسرعة:
— فين؟
غمضت عيني أحاول أفتكر.
وبعدين فجأة…
رجعتلي لقطة قديمة.
مطر.
شارع فاضي.
عربية سوداء.
ورجل بيجري ناحيتي.
وصوت بيقول:
— نور، اجري!
فتحت عيني بفزع.
— أنا فاكرة.
جيوفاني مسك كتفي.
— فاكرة إيه؟
— يوم الحادثة.
سكت.
— كنت راكبة عربية.
— مع مين؟
حطيت إيدي على راسي.
— مع آدم.
جيوفاني اتجمد.
— متأكدة؟
— أيوه.
بدأت الذكريات ترجع واحدة ورا التانية.
آدم كان بيصرخ.
حد كان بيطاردنا.
العربية اتقلبت.
وبعدها…
فراغ.
قلت:
— أنا كنت فاكرة إني كنت راجعة من الشغل لوحدي.
جيوفاني قال:
— لأن ده اللي اتقالك.
— مين؟
— والدتك.
قلبي وجعني.
— ليه تعمل كده؟
ما ردش.
بدل ما يجاوب، شغل العربية بسرعة.
قلت:
— إحنا رايحين فين؟
— نجيب ليلى.
— وبعدين؟
— هنروح مكان محدش يعرفه.
وصلنا بعد حوالي عشرين دقيقة.
نزلت من العربية وجريت ناحية البيت.
الباب كان مفتوح.
— ليلى!
مفيش رد.
دخلت وأنا بنادي عليها.
— ليلى! حبيبتي!
صوت بكاء خافت جاي من أوضة النوم.
جريت ناحية الصوت.
لقيت صاحبتي قاعدة على الأرض، وليلى في حضنها.
جريت عليها وضميتها.
— حبيبتي!
ليلى حضنتني بقوة.
— ماما، الراجل الوحش رجع.
رفعت راسي.
— رجع؟!
صاحبتي قالت:
— من شوية.
— كان هنا؟!
هزت راسها.
— أيوه.
— عمل إيه؟
قالت:
— سألني عنك.
— وبعدين؟
— لما رفضت أقول له إنتِ فين، ساب لي ظرف.
جيوفاني كان واقف عند الباب.
— فين الظرف؟
صاحبتي أشارت للترابيزة.
جيوفاني قرب منه.
لكن قبل ما يلمسه، قلت:
— استنى.
بصلي.
— ليه؟
— يمكن يكون فخ.
ابتسم لأول مرة.
— أخيرًا بدأتي تفكري زيي.
فتحت الظرف بقفاز كان في جيبه.
طلع منه مفتاح صغير.
ومعه ورقة.
أخدتها منه.
وقريت:
“المفتاح ده هيفتح المكان اللي بدأت فيه كل الحكاية.”
وتحتها عنوان.
عنوان مستشفى قديم.
المستشفى اللي اتولدت فيها ليلى.
بصيت لجيوفاني.
— ليه عايزينّا نروح هناك؟
قال:
— عشان نعرف مين مسح آخر خمس سنين من ذاكرتك.
قبل ما أستوعب كلامه، ليلى شدّت في هدومي.
— ماما…
بصيت لها.
قالت بصوت بريء:
— أنا فاكرة الراجل اللي في الصورة.
اتجمدت.
— صورة مين؟
أشارت للملف.
— الراجل اللي عينيه شبه عيني.
جيوفاني قرب منها.
— آدم؟
ليلى هزت راسها.
وبعدين قالت جملة خلتني أنا وجيوفاني نبص لبعض في صدمة:
— هو كان بييجي لي كل ليلة وأنا صغيرة.
لكن ليلى عندها خمس سنين…
وآدم مات من خمس سنين.فضلت باصة لليلى وأنا مش قادرة أتكلم.
— إنتِ شوفتيه إمتى يا حبيبتي؟
ليلى حطت صباعها على شفايفها، كأنها بتحاول تفتكر.
— لما كنت صغيرة.
جيوفاني ركع قدامها بهدوء.
— كان بيكلمك؟
هزت راسها.
— كان بيقول لي ما أخافش.
سألها:
— وكان بييجي لوحده؟
ليلى بصتلي.
— لأ.
قلبي انقبض.
— كان معاه مين؟
رفعت إيدها الصغيرة وأشارت ناحية باب الشقة.
— الست اللي بتخليكي تبكي.
بصيت لصاحبتي.
— مين؟
ليلى قالت:
— خالتو داليا.
حسيت إن التفكير اتلخبط في راسي.
جيوفاني وقف فورًا.
— مستحيل.
أنا بصيت له.
— إنت قلت إنها كانت عارفة.
— عارفة… آه.
— أومال ليه كانت بتيجي لليلى؟
ما ردش.
في اللحظة دي، تليفوني اهتز.
رسالة جديدة.
من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة لليلى وهي نايمة.
متصورة من جوه أوضتها.
وتحت الصورة مكتوب:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، تعالي للمستشفى القديمة لوحدك.”
إيدي بدأت ترتعش.
جيوفاني أخد الموبايل مني.
— مش هتروحي.
— لازم أروح.
— ده اللي هو عايزه.
— بس لو الشخص ده كان قريب من ليلى طول السنين دي، يبقى لازم أعرف مين هو.
جيوفاني فضل ساكت.
وبعدين قال:
— هتروحي.
بصيت له باستغراب.
— إيه؟
— بس مش لوحدك.
بعد ساعة، كنا واقفين قدام المستشفى القديمة.
المكان كان مهجور.
الشبابيك مكسورة.
واللافتة القديمة لسه معلقة فوق المدخل.
جيوفاني نزل من العربية.
— خدي المفتاح.
مسكته.
دخلنا.
ريحة المكان كانت خانقة.
كل خطوة كانت بتعمل صدى في الممر الطويل.
وصلنا للدور التاني.
المفتاح فتح باب صغير في آخر الممر.
دخلنا.
كانت أوضة أرشيف.
ملفات قديمة في كل مكان.
جيوفاني شغل كشاف موبايله.
بدأنا ندور.
وبعد دقائق، لقيت ملف مكتوب عليه:
نور جابر — حالة خاصة.
قلبي وقف.
— ده ملفي.
فتحته.
أول ورقة كانت تقرير طبي.
قرأت أول سطر.
وبعدين التاني.
وفجأة وقعت الورقة من إيدي.
جيوفاني سأل:
— فيه إيه؟
بصيت له.
— أنا ما كنتش فاقدة الذاكرة بسبب الحادث.
— أومال؟
رفعت الورقة.
— حد كان بيديني أدوية بعد الحادث
جيوفاني قرب.
— مين؟
قلبت الصفحة.
وكان فيه توقيع الطبيب.
لكن الاسم…
كان اسم والد داليا.
سكتنا إحنا الاتنين.
وفجأة سمعنا صوت باب بيتقفل من بره.
جيوفاني لف بسرعة.
— حد دخل.
طفي النور.
وقف قدامي.
سمعنا خطوات بتقرب.
خطوة…
وبعدها خطوة…
وبعدين صوت راجل قال:
— كنت عارف إنك هتيجي يا جيوفاني.
جيوفاني شدني وراه.
الصوت كمل:
— لكن اللي ما كنتش متوقعه… إن نور تيجي معاك.
خرج راجل من الضلمة.
وأول ما شفته، شهقت.
كان هو نفس الراجل اللي ظهر مع كريم في الفرح.
قال بابتسامة باردة:
— أخيرًا افتكرتيني يا نور.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
— أنا عمري ما شوفتك.
ضحك.
— مش فاكرة؟
قرب خطوة.
— أنا كنت أول واحد شال ليلى بين إيديه.
جيوفاني وقف قدامي.
— ابعد عنها.
الراجل ابتسم.
— اسألها الأول عن اللي حصل ليلة ولادتها.
بصيت لجيوفاني.
وبعدين للراجل.
فجأة قال:
— لأن ليلى ما اتولدتش هنا بالصدفة.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— هي اتنقلت للمستشفى بعد ما اتولدت في مكان تاني.
حسيت إن نفسي انقطع.
— فين؟
ابتسم.
— في بيت جيوفاني.
اتسعت عيني.
بصيت لجيوفاني.
ولأول مرة…
ما لقيتش في عينيه أي إجابة.
بس لقيت خوف.
الخوف اللي بيقول إن الراجل ده قال الحقيقة.بصيت لجيوفاني وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
— بيتك؟
ما ردش.
— جيوفاني، رد عليا!
الراجل اللي قدامنا ضحك بهدوء.
— واضح إن أخويا ما حكيش لها حاجة.
جيوفاني قال بحدة:
— اطلع بره.
— مش قبل ما تعرف الحقيقة.
بصيت له.
— إنت مين؟
— اسمي مراد.
— وإيه علاقتك بآدم؟
ابتسم.
— أنا اللي كنت معاه ليلة موته.
جيوفاني اندفع ناحيته، لكن مراد رجع خطوة.
— لو قربت، هتفضل نور عايشة طول عمرها وهي فاكرة إنك أنقذتها.
جيوفاني وقف.
قلت:
— أنقذني من إيه؟
مراد بصلي مباشرة.
— من الناس اللي كانوا عايزين ياخدوا بنتك.
اتخنقت.
— ليه؟
— لأن ليلى مش مجرد طفلة بالنسبة لهم.
جيوفاني قاطعه:
— كفاية.
مراد ضحك.
— لسه هتفضل تخبي عنها؟
صرخت:
— أنا تعبت من الأسرار! عايزة أعرف الحقيقة!
سكت مراد لحظة.
وبعدين قال:
— ليلة ولادة ليلى، حصلت مشكلة في المستشفى.
— إيه المشكلة؟
— داليا كانت هناك.
قلبي دق بعنف.
— داليا؟
— أيوه. وكانت معاها والدها.
— ليه؟
— لأن والدها كان عايز ياخد الطفلة.
— بنتي؟!
— أيوه.
جيوفاني قال:
— آدم رفض.
مراد بص له.
— آدم ما كانش لوحده.
سألته:
— مين كان معاه؟
مراد ما ردش.
بدل كده، طلع موبايله وفتح تسجيل قديم.
صوت رجل طلع من التسجيل.
صوت مألوف.
صوت كريم.
— لو نور عرفت إن البنت مش بنتي، كل حاجة هتنهار.
شهقت.
مراد وقف التسجيل.
— ده كان قبل ولادة ليلى بيوم.
بصيت لجيوفاني.
— كريم كان عارف كل حاجة؟
— أيوه.
— وكان عارف إن آدم أبوها؟
— أيوه.
دموعي نزلت.
— طب ليه اتجوزني؟
مراد قال:
— لأن كريم ما كانش بيحبك.
الكلمة وجعتني رغم إني كنت عارفة إنه سابني.
— أومال ليه؟
مراد قرب.
— لأنه كان عايز يوصل لليلى.
جيوفاني اتدخل فورًا:
— وده سبب إن آدم حاول يهرب بيها.
— لكن إزاي؟ ليلى كانت لسه مولودة!
مراد قال:
— آدم أخدها وخرج من المستشفى.
بصيت له بصدمة.
— وأنا؟
— إنتِ كنتِ فاقدة الوعي.
— وبعدها؟
— العربية اتعرضت للحادث.
سكت.
وبعدين قال:
— آدم مات.
حسيت دموعي بتنزل من غير ما أقدر أوقفها.
— وليلى؟
مراد بص لجيوفاني.
— جيوفاني لقاها.
لفيت له.
— إنت؟
هز راسه.
— كانت لسه عايشة.
— وخدتها فين؟
— بيتي.
— ليه؟
صوته اتكسر لأول مرة.
— لأن بيتنا كان المكان الوحيد اللي محدش هيقدر يفتش فيه.
مراد قال:
— وبعدها اتفقنا نخلي الجميع يعتقد إن ليلى بنت كريم.
بصيت له.
— الجميع؟
هز راسه.
— الجميع.
— حتى أنا؟
جيوفاني قال:
— إنتِ الوحيدة اللي ما كانش لازم تعرفي.
صرخت:
— ليه؟!
قال:
— لأن الشخص اللي كان بيطارد آدم… كان عايز يوصل لك.
وفجأة سمعنا صوت عربية برا.
مراد بص ناحية الشباك.
— وصلوا.
جيوفاني شد إيدي.
— لازم نمشي.
— مين وصل؟
مراد قال:
— والد داليا.
وقبل ما نتحرك، سمعنا صوت باب المستشفى بيتفتح.
وبعدها صوت رجل من أسفل السلم:
— نور!
اتجمدت.
كان صوت أمي.
جيوفاني بصلي بصدمة.
— أمك هنا؟
همست:
— أيوه.
لكن صوتها رجع تاني:
— نور، انزلي.
مراد قرب من الباب وهمس:
— لو والدتها هنا…
جيوفاني كمل عنه:
— يبقى هي كانت جزء من الخطة من البداية.
وبصيت ناحية السلم.
لأول مرة في حياتي…
بدأت أشك إن أمي نفسها كانت بتكدب عليّ.فضلت واقفة مكاني وأنا سامعة صوت أمي تحت.
— نور! انزلي يا بنتي!
صوتها كان هادي بشكل غريب.
مش صوت أم قلقة على بنتها.
صوت واحدة متأكدة إن اللي قدامها ملوش طريق للهروب.
جيوفاني قرب مني وهمس:
— متتحركيش.
بصيت له.
— دي أمي.
— وعشان كده لازم نخاف أكتر.
مراد كان بيقفل باب الأرشيف بهدوء.
قلت:
— أنا عايزة أواجهها.
جيوفاني هز راسه.
— مش دلوقتي.
— لأ.
مسحت دموعي.
— أنا عشت خمس سنين وأنا مصدقة أكاذيبهم. مش هستخبى تاني.
نزلنا السلم.
أول ما وصلت للدور الأرضي، شفت أمي واقفة في نص الممر.
كانت لابسة نفس الفستان اللي كانت لابساه في الفرح.
لكنها كانت لوحدها.
بصتلي.
وبعدين بصت لجيوفاني.
— سيب بنتي.
جيوفاني رد بهدوء:
— لو سيبتها، هتموت.
أمي شهقت.
— إنت ما تعرفش حاجة.
قلت:
— يبقى قوليلي إنتِ.
سكتت.
قربت منها.
— إنتِ كنتِ عارفة؟
عينيها امتلأت دموع.
— يا نور…
— كنتِ عارفة إن ليلى مش بنت كريم؟
ما ردتش.
صرخت:
— ردي!
قالت بصوت مكسور:
— أيوه.
حسيت كأن حد صدمني.
— من إمتى؟
— من يوم ولادتها.
— وإنتِ ليه خبيتي عليا؟
بدأت تعيط.
— عشان أحميكي.
— تحميني من مين؟
رفعت عينيها لي.
— من أبو داليا.
سكت الجميع.
قلت:
— هو كان عايز ليلى ليه؟
أمي مسحت دموعها.
— لأن أبوها الحقيقي كان شاهد على حاجة خطيرة.
— آدم؟
هزت راسها.
— آدم كان شريك له.
جيوفاني اتدخل:
— كدب.
أمي بصت له.
— إنت ما تعرفش كل حاجة.
— أنا أخوه.
— وأنا كنت موجودة.
سكت.
أمي قربت مني.
— آدم ما كانش مجرد أب لبنتك يا نور.
— أومال كان إيه؟
قالت:
— كان بيحاول يهرب من الناس اللي اشتغل معاهم.
— اشتغل معاهم في إيه؟
أمي بصت حوالين المكان.
وبعدين قالت:
— في شبكة كبيرة.
مراد قال:
— أمي، كفاية.
لفت له.
— إنت كمان كنت عارف.
مراد سكت.
أنا بصيت لكل واحد فيهم.
كل ما أسأل سؤال، ألاقي سر أكبر.
قلت:
— وإيه علاقة جيوفاني؟
أمي بصت له طويلًا.
وبعدين قالت:
— جيوفاني هو السبب الحقيقي في إن آدم مات.
اتجمدت.
بصيت لجيوفاني.
هو ما أنكرش.
— ده صحيح؟
صوته خرج ضعيف:
— أنا كنت السبب… بس مش بالطريقة اللي بتفكري فيها.
— يعني إيه؟
— آدم مات وهو بيحاول ينقذك.
— وإنت؟
— كنت بحاول أنقذ ليلى.
دموعي نزلت.
— طب ليه ما قلتليش؟
قرب مني.
— لأن آخر وصية آدم كانت إني أحميكي مهما حصل.
— خمس سنين وأنا بكره نفسي عشان فكرت إني كنت السبب في كل اللي حصل.
— وأنا قضيت خمس سنين وأنا واقف بعيد، بحاول أتأكد إنك عايشة
بصيت له.
لأول مرة فهمت إن نظراته في الفرح ما كانتش شفقة.
كانت معرفة.
كان يعرفني من قبل الليلة دي.
وفجأة…
سمعنا صوت صرخة من الخارج.
أمي صرخت.
مراد اندفع ناحية الباب.
وجيوفاني شدني وراه.
وبعد ثواني، سمعنا صوت راجل بيصرخ من بره:
— سلموا نور!
جيوفاني بصلي.
— وصلوا.
قلت:
— مين؟
رد:
— الناس اللي اذوا آدم.
ثم بص لأمي.
— بس السؤال الحقيقي…
سكت.
أمي بدأت تبكي.
قال جيوفاني:
— ليه عرفوا إن نور هنا؟
أمي رفعت عينيها ببطء.
وهمست:
— عشان أنا اللي اتصلت بيهم.
اتسعت عيني.
— ماما؟!
وفي نفس اللحظة، انطفأت أنوار المستشفى كلها.
وسمعنا خطوات بتقرب من كل الاتجاهات.
جيوفاني مسك إيدي وقال:
— نور، مهما حصل… ما تسيبيش إيدي.
لكن قبل ما نتحرك…
جالي اتصال من رقم مجهول.
فتحت الخط.
وسمعت صوت رجل قال:
— لو عايزة تعرفي ليه أمك خانتك… اسأليها مين كان أبو ليلى الحقيقي.
وبعدين قفل.
بصيت لأمي.
وكانت بتبصلي وهي بتعيط.
وقالت:
— يا نور…
— ليلى مش بنت آدم.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— ليلى بنت الشخص اللي اذى آدم.حسيت إن قلبي وقف.
— إيه؟!
أمي قربت مني، لكني رجعت لورا.
— متقربيش.
دموعها نزلت.
— اسمعيني بس.
— لأ! كفاية كدب!
جيوفاني وقف بيني وبينها.
— مين أبو ليلى؟
أمي بصت له، وبعدين قالت:
— اسمه فريد.
مراد شهق:
— مستحيل.
أمي هزت راسها.
— فريد هو اللي اذى آدم.
بصيت لجيوفاني.
— وإنت كنت عارف؟
— لأ.
— متأكد؟
— أقسم لك.
أمي قالت:
— آدم ما كانش والد ليلى. كان بيحاول ينقذها.
بدأت أفتكر كلام ليلى.
“هو كان بييجي لي كل ليلة وأنا صغيرة.”
فجأة فهمت.
— عشان كده كانت بتشوف آدم؟
أمي هزت راسها.
— لأنه كان بيحميها.
سألتها:
— طب فريد فين؟
سكتت.
— فين يا ماما؟
بصت للأرض.
— مات.
مراد قال بسرعة:
— مات إمتى؟
— من أربع سنين.
جيوفاني ضيق عينيه.
— لأ.
بصت له.
— إيه؟
— فريد ما ماتش.
أمي شهقت.
— إنت متأكد؟
— أنا شفت شهادة الوفاة بنفسي.
جيوفاني طلع موبايله وفتح صورة قديمة.
— دي شهادة الوفاة.
مراد قرب.
— الاسم؟
— فريد منصور.
بصيت للصورة.
وبعدين فجأة لاحظت حاجة.
— استنى.
أشرت للاسم.
— ده مش فريد.
جيوفاني بصلي.
— إيه؟
— الاسم الأوسط مختلف.
قلبنا الورقة.
كان فيه رقم هوية.
جيوفاني سكت.
وبعدين قال:
— الشهادة مزورة.
أمي حطت إيدها على بوقها.
— يعني…
صوت مراد خرج مبحوح:
— فريد عايش.
وفجأة…
وصلت رسالة جديدة على موبايل جيوفاني.
فتحها.
صورة واحدة.
أنا وليلى.
متصورين النهارده الصبح قدام بيت صاحبتي.
وتحت الصورة:
“خمس سنين وأنا مستني اليوم اللي نور تعرف فيه الحقيقة.”
وبعدها رسالة تانية:
“دلوقتي عايز بنتي.”
بصيت لجيوفاني.
— بنتي؟
قال:
— أيوه.
— هو عايز ليلى.
— مش بس عشان هي بنته.
سألته:
— أومال ليه؟
فتح الرسالة الأخيرة.
كان فيها عنوان.
وتحته جملة:
“تعالي يا نور، وخدي بنتك… وهقولك ليه أمك خبت عليكي الحقيقة.”
أمي انهارت على الكرسي.
— ما تروحيش.
بصيت لها.
— إنتِ اللي خبيتي عني خمس سنين.
— كنت بحاول أحميكي!
— لأ.
دموعي نزلت.
— كنتِ بتحميني من الحقيقة… مش منه.
جيوفاني مسك إيدي.
— مش هتروحي لوحدك.
بصيت له.
— وأنا مش هسيب ليلى.
— ولا أنا.
وفجأة مراد قال:
— أنا هروح معاكم.
جيوفاني بص له.
— لأ.
— فريد مش هيظهر لوحده.
سألته:
— ليه؟
مراد بصلي.
— لأنه عنده ناس في كل مكان.
ثم أضاف:
— ولو الرسالة دي حقيقية، فده معناه إن فريد مش عايز ليلى بس.
سألته:
— عايز إيه تاني؟
مراد بص لأمي.
أمي بدأت تعيط من جديد.
وقالت بصوت مكسور:
— عايز الملف.
— ملف إيه؟
— الملف اللي آدم أخفاه قبل ما يموت.
جيوفاني سأل:
— إنتِ عارفة مكانه؟
هزت راسها.
— أيوه.
— فين؟
أمي بصتلي.
وقالت:
— معاكِ يا نور.
اتجمدت.
— معايا أنا؟
— أيوه.
— فين؟
أمي قربت مني، ورفعت إيدها ناحية رقبتي.
— السلسلة اللي لبسها لكِ كريم يوم ولادة ليلى…
لمست السلسلة اللي كنت بلبسها من خمس سنين.
أمي قالت:
— دي مش هدية من كريم.
سكتت لحظة.
— دي كانت بتاعة آدم.
فتحت عيني بصدمة.
وجيوفاني قرب من السلسلة.
— افتحيها.
— إزاي؟
قال:
— دي مش سلسلة.
ضغط على جزء صغير منها.
فجأة انفتح قلب السلسلة.
وظهر جوه مفتاح صغير جدًا…
ومعه ورقة ملفوفة.
فتحتها بإيد مرتعشة.
وكان مكتوب فيها بخط آدم:
“لو وصلتي للحقيقة، يبقى فريد رجع. ما تثقيش في أي حد… حتى جيوفاني.”
بصيت لجيوفاني.
هو قرأ الجملة.
وسكت.
لكن قبل ما حد يتكلم…
وصلت رسالة جديدة.
هذه المرة على موبايلي.
“وصلتي للمفتاح؟”
ثم رسالة بعدها مباشرة:
“كويس… دلوقتي هاتي أختك سلمى.”
رفعت عيني ببطء.
— هو عايز سلمى كمان.
جيوفاني بصلي بصدمة.
— لأ.
قلت:
— إيه؟
قال:
— فريد مش عايز سلمى.
— أومال ليه طلبها؟
جيوفاني شد على إيدي.
— لأن سلمى مش أختك بالدم.
وفي اللحظة دي…
رن تليفوني.
وكانت سلمى.
لكن أول ما فتحت الخط…
ما سمعتش صوت أختي.
سمعت صوت راجل بيضحك.
وقال:
— أخيرًا يا نور… عرفتي إن كل اللي حواليكي كانوا بيكدبوا عليكي.




