روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 4

اللحظة دي كانت أصعب لحظة عدت علينا في حياتنا. كل أبواب البيت المهجور اتقفلت، والضابط أمر القوة تنتشر في المكان، لكن فجأة النور قطع، وفضلنا في ضلمة كاملة. أمي كانت ماسكة إيدي بكل قوتها، وخالي أحمد واقف قدامنا، وجابر بيحاول يحدد مصدر الصوت. وفجأة اشتغلت شاشة قديمة في آخر الصالة، وظهرت نوال من جديد، لكن المرة دي كانت واقفة جنب أخويا، والراجل المقنع واقف وراه. قالت بهدوء: “قبل ما أي حد يتحرك، اسمعوا الحقيقة للآخر.” الضابط صرخ: “سيبي الولد وإلا هنقتحم المكان!” نوال ضحكت وقالت: “الولد مش محتاج أخاف عليه… لأن أنا مش اللي خطفته.” أمي صرخت: “أومال مين؟!” نوال بصت للكاميرا وقالت: “الشخص اللي قدامكم دلوقتي.” فجأة ظهر الراجل اللي كان واقف جنبها، وخلع القناع. كلنا اتصدمنا. كان نفس الشخص اللي ظهر في صورة أبويا، الشخص اللي كان المفروض إنه مات من سنين. لكنه رفع إيده وقال: “اسمي فؤاد… وأنا كنت شريك محمود.” جابر قال: “إنت

محمود!” فؤاد رد: “لأ… أنا أنقذته.” الكل سكت. بعدها فتح باب جانبي وظهر رجل كبير في السن، بيتحرك بصعوبة، لكنه أول ما ظهر حسيت إن قلبي هيقف. أمي شهقت، ووقعت على الكرسي وهي بتقول: “محمود؟!” الراجل قرب خطوة، وكان شبه أبويا بشكل مخيف، لكن الضابط أمسك سلاحه وقال: “مين ده؟” الرجل قال: “أنا أخو محمود التوأم.” خالي أحمد اتجمد وقال: “إنت؟! محمود عمره ما قال إن له أخ توأم!” الرجل رد: “لأن وجودي كان سر.” جابر حط إيده على رأسه وقال: “دلوقتي فهمت.” الراجل كمل: “محمود كان عارف إن الشبكة ، فخطط معايا ومع فؤاد إنه يختفي، لكن الخطة خرجت عن السيطرة.” أمي بدأت تبكي وقالت: “يعني جوزي كان عايش؟!” الراجل هز راسه وقال: “كان عايش لفترة بعد ، لكن إصابته كانت خطيرة،  بعد أيام.” أمي انهارت من جديد، لكن المرة دي كان فيه جزء من الحقيقة اتكشف.

فؤاد قال: “عبد الصمد عرف إن محمود كان بيجمع الأدلة، فحاول يسبقنا. هو اللي بدأ حكاية اللحوم اللي بتوصلكم كل أسبوع، مش عشان يطعّمكم لحم بشري زي ما اتقال، لكن عشان يستخدم اسم عيلتكم كغطاء لحركة شحنات فاسدة ومهربة. وكان بيختبر عليكم أنواع لحوم رديئة من غير ما تعرفوا.” الضابط سأله: “والتحاليل؟” فؤاد قال: “التحليل الأول اتفهم غلط، لكن العينات أثبتت إنها لحوم مغشوشة ومخلوطة بمصادر غير معلومة، وكانت مخالفة تمامًا للمواصفات.” نوال قالت: “أنا كنت واحدة من الناس اللي اتأذوا منهم. في البداية كنت عايزة  من محمود، لكن لما عرفت الحقيقة، حاولت أوقفهم.” أمي قالت: “طب ابني؟” نوال قربت منه وقالت: “ابنك بخير، وأنا اللي حميته لما عرفوا إنهم فشلوا في الوصول ليكي.

” فجأة دخل عسكري وهو ماسك أخويا من إيده، وجري ناحية أمي. أمي حضنته وفضلت تبكي وتقول: “الحمد لله… الحمد لله.” أنا كمان حضنته، وكنت مش مصدقة إننا رجعنا لبعض. الضابط قبض على فؤاد، وبعدها عبد الصمد، والشخص اللي كان شريكه، وكل واحد كان له دور في الشبكة. لكن قبل ما ياخدوا نوال، قربت مني وقالت: “أنا آسفة.” بصيت لها وقلت: “إنتي خوفتينا ودمرتي حياتنا.” قالت: “عارفة… لكن كنت عايزة أخليكي تعرفي إن أبوكي ماكانش هو الشرير اللي رسموه في دماغكم.” سألتها: “طب ليه كل ده حصل؟” ردت: “عشان الفلوس لما تدخل في قلوب ناس مفيش عندها ضمير، بتخليهم يشوفوا البشر مجرد أرقام.” بعدها خرجت الشرطة من البيت، وأخدوا كل الأدلة والدفاتر والتسجيلات. القضية استمرت شهور، واتكشفت شبكة كبيرة من الغش والتلاعب ، واتحاسب كل شخص شارك فيها.

أما عمي عبد الصمد، فاعترف بكل حاجة، واعترف إنه استغل ثقة أمي في أخو جوزها، وإنه كان بيحاول يخلي العيلة تتعود على اللحوم اللي بيجيبها عشان محدش يسأل عن مصدرها. واعترف كمان إن موت أبويا حصل بسبب خوفهم من إنه يفضحهم، وإنه كان حاضر في الليلة الأخيرة لكنه لم يكن الشخص الذي نفذ الجريمة. وبعد شهور من التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة، واتبرأ اسم أبويا من كل  اللي اتقالت عليه، وعرفت أمي إن جوزها فضل يحاول يحمي أولاده لآخر لحظة. أما أنا، فأصبحت كل ما أفتكر أول خمس سنين من حياتنا بعد وفاة أبويا، أفتكر أكياس اللحمة السودا اللي كانت بتدخل بيتنا كل جمعة، وأفتكر قد إيه ممكن الإنسان يصدق شخص لمجرد إنه بيظهر قدامه بصورة الطيب والحنين.

وعرفت إن الكرم مش دايمًا دليل على نقاء القلب، وإن الشخص اللي بيقدم لك حاجة من غير ما يسألك عنها ممكن يكون بيخبي وراها حاجة أخطر بكتير. لكن أهم حاجة اتعلمتها إن الخوف ساعات بيخلينا نصدق أسوأ الاحتمالات قبل ما نعرف الحقيقة، وإن الشائعة ممكن تقتل سمعة إنسان بريء، زي ما حصل مع أبويا. وبعد ما رجعت حياتنا تهدى، أمي قررت ما تقبلش أي حاجة من أي حد من غير ما تعرف مصدرها، وأنا كبرت وأنا شايلة في قلبي درس عمري ما هنسيه: مش كل إيد بتمد لك الخير بتكون إيد أمينة، ومش كل شخص بيقول إنه سندك بيكون فعلًا سند. الإنسان لازم يستخدم عقله، ويسأل، ويتأكد، ومايسمحش للثقة العمياء إنها تعميه عن الحقيقة. وفي النهاية، اللي بيعمل الخير بجد مش بيحتاج يخبيه، واللي بيبني علاقته بالناس على الخداع، مهما طال الزمن، الحقيقة في يوم من الأيام هتظهر. والحكمة اللي فضلت معانا من كل اللي حصل: “متصدقش المظاهر، ومتبيعش عقلك مقابل كلمة حلوة أو خدمة مجانية؛ لأن بعض الهدايا ثمنها أغلى من قيمتها، والحقيقة مهما اتدفنت، عمرها ما بتموت.”

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى