روايات وقصص

حكايات منى السيد 2

قربت من تليفون عمي وعيني متبتة في الشاشة الصغيرة، والدم كان بيهرب من وشي كأن حد سحب روحي بسرنجة. الفيديو كان متصور بكاميرا موبايل محطوط بزاوية مايلة وواطية، كأنه كان متثبت على رف جزمة أو فوق كرتونة في صالة شقة أخويا. الكاميرا كانت جايبة الصالة كلها من بعيد، لكن المشهد اللي شغال كان مقصوص ومتركب بطريقة شيطانية؛ مفيش فيه سرقة الورق، مفيش فتح الدولاب بالمفتاح المسروق، ومفيش كلام على كيس أسود ولا عقد أرض! اللي ظاهر بس في الفيديو ومدته متكملش دقيقة، هو اللحظة اللي أحمد داخل فيها الصالة باندفاع وبيزعق، وهي واقفة قدامه بتصرخ وبتتراجع لورا، وأحمد بيقرب منها بكل عصبية ويمد إيده عشان يشد منها الشنطة، لكن في اللقطة السريعة دي، الكاميرا جايباه كأنه بيهجم عليها وهي بتقع على الترابيزة الإزاز والترابيزة بتتكسر ميت حتة، وبعدها علطول صوت تقطيع شاشات وصوت صريخها وهي بتقول ابعد عني حرام عليك! متقربليش!.

وفوق الفيديو من تحت، مكتوب كابشن عريض باللون الأحمر الفاقع شاهد لحظة تعدي خطيب فاجر على خطيبته ومحاولة الاعتداء عليها داخل شقة مغلقة وسرقة دهبها بعد ما رفضت تسلمه نفسها!.

وقفت متخشبة مكاني، رجليا مكنوش شايليني، وحسيت إن الحيطان بتضيق عليا

وعايزة تطبق على صدري. بصيت لعمي اللي كان وشه بيغلي زي المرجل وعينيه حمرا من الغضب، وقولت بصوت بيترعش عمي… اسمعني، والله العظيم الفيديو ده متفبرك ومتقصقص! البت دي حرامية، طالعة فوق تسرق عقد الأرض وسلسلتين دهب بتوع أمي، وأحمد كان بيشد منها شنطتها عشان الورق!.

عمي ضرب كف بكف وصرخ في وشي بصوت هز الشقة ورق إيه وعقد إيه يا مغفلة إنتي وهو؟! الناس في الشارع بره مبتقراش عقود ولا بتفهم في الحسابات دي! الناس شايفة فيديو فيه ابن أخويا بيتهجم على ولية في شقة مقفولة وبيرميها على القزاز، وأبوها بره جايب معاه أربع عربيات محملين رجالة من عيلتهم، واقفين على أول الشارع بالأسلحة البيضاء والشوم، ونازلين شتايم في سيرتكم وفي عرضكم، ومطالبين يا إما أحمد ينزل يكتب عليها دلوقتي حالا ويدفع مؤخر ربع مليون جنيه وصلات أمانة، يا إما البلاغ اللي في النيابة هيمشي ومقاطع الفيديو دي هتتوزع على كل صفحات المنطقة، وساعتها مش هتعرفوا تمشوا في الشارع لا إنتي ولا بناتك ولا أمك العيانة دي!.

أمي أول ما سمعت الكلمتين دول، مسكت في صدرها وفضلت تنهج، ووقعت على الكنبة زي ، ضغطها فلت وشفايفها ازرقت وبقت تتكلم بصوت مكتوم زي الحشرجة يا حسرتي… يا  بين

الناس… يا بني ضيعت نفسك وضيعت عيلتك…. جريت على أمي بصرخ  على وشي، جبتلها كوباية مية بسكر ودوا الضغط وأنا إيديا بتخبط في بعض، وأحمد كان واقف ورا ضهري مش بينطق، لكن وشه كان بيتحول من الذهول لغضب أسود، غضب راجل شاف الموت بعينيه وحس إن عرضه وكرامته بيتداسوا برجلين ناس ميسووش تلاتة مليم.

أحمد قرب من عمي وبص في عينيه من غير ما يرمش، وبصوت طالع من تحت الأرض، واطي جداً بس فيه نبرة تخلع القلوب إنت مصدق إني أعمل كده يا عمي؟ إنت ربيتني مع عيالك وشوفتني بكبر قدامك، معقول تصدق إني أتهجم على واحدة في بيتي؟ البنت دي طالعة ومعاها مفتاح متزور، فاتحة درجي، واخدة ورقي ودهب أمي، والشنطة كانت في إيديها، والفيديو ده هي اللي كانت مثبتاه بالموبايل بتاعها قبل ما أنا أدخل عشان تلوي دراعي لو مسكتها!.

عمي اتنهد بقهر ومسح على وشه بعصبية يا ابني مصدقك، والله مصدقك وعارف إنك متربي، لكن الحق مبيبانش بالسهل لما الفضيحة تسبقه! الشارع بره بيغلي، وأبو البنت مش سهل، ده راجل بلطجي ومقضي نص عمره في المحاكم، وعارف الثغرات كلها. هو معاه الفيديو ده، والبت عاملة تقرير طبي بكدمات وخدوش في دراعها وضهرها، والبلاغ جاهز في القسم، والظابط مستني إشارة لو منزلناش

نحل القعدة دي عرفي ونديهم اللي هما عايزينه!.

مش هكتب عليها، وعلى جثتي أطلع مليم واحد لولاد الحرام دول!… أحمد قال الجملة دي وهو بيقبض على إيده بقوة لدرجة إن صوابعه ابيضت وطقطقت. لو هموت، لو هتحبس في قعر ، مش هدخل البيت ده على اسمي واحدة غدارة وواطية زي دي، ولا هخلي أمها تكسر عيني طول العمر!.

في اللحظة دي بالظبط، وأنا بمسح عرق أمي وبحاول أهديها، عقلي فجأة نور بلمحة ذكاء؛ فكرة خطفت في نافوخي زي البرق وخلت ضربات قلبي تنتظم من تاني. وقفت بسرعة ومسكت أحمد من كتفه أحمد! افتكر معايا… الكاميرا اللي عماد جارنا في الدور التاني ركبها فوق السطح وفي مدخل العمارة الشهر اللي فات عشان سرقة مواتير المية! الكاميرا دي جايبة إيه؟.

أحمد اتنطر مكانه وعينيه وسعت عماد مركب كاميرا في بير السلم بالظبط فوق باب شقتي وواحدة تانية في المدخل تحت، بس… بس الكاميرا دي بتسجل صوت ولا صورة بس؟.

قولتله وأنا بشد طرحتي على راسي وبجري على الباب صوت وصورة يا غبي! ده عماد كان مفرج جوزي عليها من أسبوعين عشان يوريه جودتها ووضوح المايك بتاعها! استنوا هنا ومحدش ينزل الشارع ولا يفتح الباب لحد!.

نزلت الدور التاني زي الريح، خبطت على باب عماد جارنا بهستيريا.

عماد

3

فتح الباب وهو مفزوع، وكان سامع الدوشة اللي في الشارع بره ومستغرب. دخلت وأنا بنهج ومش قادرة آخد نفسي يا عماد، الله يسترك ويستر بيتك، افتحلي تسجيلات الكاميرات بتاعت العمارة دلوقتي حالا من الساعة اتنين لحد الساعة خمسة! بيتنا بيتخرب وعرض أخويا بيضيع بفرية متلفقة!.

عماد من غير ما يسأل كلمة زيادة، حس بجدية المصيبة، قعد على اللاب توب بتاعه في الصالة وبدأ يرجع شريط التسجيل. قعدت جنبه وأنا بقرا آية الكرسي في سري ميت مرة، وإيديا بتترعش على الترابيزة. بدأنا نشغل كاميرا مدخل العمارة تحت؛ شوفنا خطيبة أخويا وأمها وهما داخلين العمارة الساعة اتنين ونص الضهر، لكن اللقطة اللي قبل ما يدخلوا كانت كنز! البنت كانت واقفة على جنب مع أمها، وأمها بتديها حاجة صغيرة في إيدهاكان باين في التسجيل العالي الجودة إنه المفتاح الفضي اللي كانت بتفتح بيه الدولابوأمها بتميل على ودنها وبتقول كلام مسموع بوضوح في مايك الكاميرا الحساس الورق في الدرج التاني على اليمين، والدهب في العلبة الخضرا، تخلصي وتنزلي، ولو حس بيكي اقلبي الدنيا واصرخي، الكاميرا اللي في شنطتك شغليها أول ما تدخلي، وخليكي ناصحة عشان نضمن قرشه وقرينته!.

الدموع نزلت من عيني من فرط الصدمة والراحة في نفس الوقت، لكن اللي كان

جاي أكبر بكتير! عماد نقل على كاميرا بير السلم بالدور التالت، الكاميرا كانت موجهة بالظبط على باب شقة أحمد، والباب الخشب كان لسه مش راكب زي ما قولت، فكانت الستارة البلاستيك الخفيفة ، وكانت الكاميرا جايبة الصالة من زاوية عالية كاشفة كل التفاصيل اللي الفيديو بتاع البنت قصه!

التسجيل جاب البنت وهي طالعة لوحدها بتتسحب بعد ما أنا نزلت، دخلت أوضة النوم، وطلعت منها بالفولدر والعلبة، وبتحطهم في الشنطة، وجابها وهي بتسند موبايلها على ترابيزة الجزامة عشان تجهز لقطة ، وجاب أحمد وهو خارج من الحمام مذهول وبيقولها إنتي بتعملي إيه هنا؟ هاتي الورق ده!. وجابها وهي بتشتمه بأبشع الألفاظ وبتتعمد تشد الترابيزة الإزاز برجليها وتهبدها على الأرض بكل قوتها، وترمي نفسها في الركن وتخربش دراعها بضوافرها وبحتة قزاز قبل حتى ما أحمد يوصل عندها بنص متر! التسجيل كان فاضح وكاشف لكل حركة ولكل حرف صوت وصورة زي عين الشمس!

عماد خبط بإيده على المكتب وقال بصوت عالي يا نهار أسود ومنيل! دول شياطين مش بنادمين! دول عصابة مدربة على النصب والابتزاز!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى