روايات وقصص

الولادتين اللى محصلوش

رشا خالد

أيوه.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
أنا داليا.
اتجمدت.
قالت بسرعة
عارفة إن آخر واحدة في الدنيا تحبي تسمعي صوتها دلوقتي هي أنا.
ما رديتش.
كملت
أحمد جه عندي.
وأنا عرفت إنك اكتشفتي موضوع التأمين.
قلت
لو بتتصلي علشان تطلبي مني أسحب الاعتراض، وفري كلامك.
قالت
لأ.
وسكتت.
أنا بتصل علشان أقولك ما تسحبيهوش.
عقدت حواجبي.
قالت
كملي في الاعتراض للآخر.
ما فهمتش.
إنتِ بتقولي إيه؟
صوتها بدأ يرتعش.
لأن أحمد ما قالكيش الحقيقة كلها.
قلت
فيه إيه أكتر من كده؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
أنا ما كنتش أعرف إن التأمين باسمك وقت ولادة سليم.
وقفت.
إيه؟
أحمد قاللي إن التأمين بتاعه من الشغل، وإن اسمي مش مهم في إجراءات المستشفى لأنه تأمين عائلي.
قلت
والمرة التانية؟
قالت
وقتها عرفت إن فيه حاجة غلط… بس ما كنتش أعرف إنهم مسجليني باسمك بالكامل.
حاولت أستوعب كلامها.
لكنها كملت
وفي حاجة تانية لازم تعرفيها.
إيه؟
قالت
أحمد قالك إننا متجوزين من 2017، صح؟
أيوه.
سكتت.
وبعدين قالت جملة خلتني أنسى حتى إني كنت بعيط.
هو كدب عليكي.
إحنا مش متجوزين من 2017.
مسكت الموبايل أقوى.
أمال من إمتى؟
ردت داليا
أنا متجوزة أحمد من سنة 2014.
ما نطقتش.
2014؟
أنا وأحمد اتجوزنا سنة 2016.
داليا كملت بصوت مخنوق
يعني أنا مش مراته التانية يا مريم.
وسكتت لحظة.
ثم قالت
إنتِ اللي جيتي بعدي.
فضلت ساكتة والموبايل على ودني.
مش قادرة أستوعب الجملة.
أنا متجوزة أحمد من سنة 2014… إنتِ اللي جيتي بعدي.
قلت أخيرًا
إنتِ بتقولي إيه؟
ردت داليا
اللي سمعتيه.
أنا وأحمد اتجوزنا قبل ما يعرفك بسنتين.
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.
مستحيل.
للأسف مش مستحيل.
عندك دليل؟
قالت فورًا
عندي قسيمة الجواز.
سكتت لحظة وأضافت
ولو تحبي أبعتها لك دلوقتي.
ابعتيها.
ما عدتش حتى دقيقة.
وصلتني صورة.
فتحتها.
وثيقة زواج.
اسم أحمد كامل.
اسم داليا كامل.
والتاريخ…
17 سبتمبر 2014.
قعدت على طرف الكنبة.
فضلت مكبرة الصورة وباصة لكل حرف فيها.
قلت
طب إزاي؟
إزاي إيه؟
إزاي اتجوزني؟
داليا سكتت شوية.
وبعدين قالت
دي من الحاجات اللي لازم تسأليه هو عنها.
قلت
وإنتِ كنتِ عارفة بيا؟
المرة دي سكتت فترة أطول.
عرفت الإجابة قبل ما تقولها.
أيوه.
غمضت عيني.
من إمتى؟
من قبل جوازكم.
فتحت عيني.
ودي كانت صدمة جديدة.
يعني كنتِ عارفة إنه هيتجوزني؟
أيوه.
وسكتي؟
قالت
أحمد قاللي وقتها إن جوازه منك لظروف معينة، وإنه مش هيستمر.
حسيت بالغثيان.
ظروف إيه؟
قالت
قال إنك شغالة في شركة كبيرة، وإن عيلتك ليها علاقات، وإن الجواز منك هيفتحله أبواب في شغله.
ما رديتش.
داليا كملت
وقاللي إنه بعد فترة قصيرة هيطلقك.
ضحكت بمرارة.
فترة قصيرة؟
إحنا متجوزين بقالنا عشر سنين.
قالت
عارفة.
وخلفتي منه طفلين وإنتِ عارفة إنه لسه متجوزني؟
صوتها وطي.
أنا مش هبررلك.
كويس.
لأن مفيش تبرير.
سكتنا.
وبعدين سألتها
التأمين.
أيوه.
احكيلي كل حاجة تعرفيها.
أخدت نفس طويل.
لما حملت في سليم، أحمد قاللي إنه عمل تأمين عائلي قوي جدًا وإن الولادة هتكون في مستشفى خاص.
وأنا فعلًا ما سألتش كتير.
يوم الدخول للمستشفى، هو اللي خلص كل الورق.
قلت
ما طلبوش بطاقتك؟
طلبوها.
وبعدين؟
أحمد أخدها وقال إنه هيخلص الإجراءات.
وفيه موظف كان يعرفه هناك.
افتكرت كلامه.
كان فيه حد بيساعدنا.
سألت
وإنتِ مضيتي باسم مين؟
قالت
مضيت باسمي.
وقفت.
إيه؟
والله مضيت باسمي.
هنا حاجة ما ركبتش.
لو داليا مضت باسمها…
إزاي الملف كله باسمي أنا؟
قلت
متأكدة؟
طبعًا.
طب الولادة التانية؟
نفس الكلام.
حسيت إن فيه جزء لسه ناقص.
قلت
داليا، عندي في السيستم إن أنا اللي دخلت المستشفى.
مش بس التأمين اتدفع من وثيقتي.
العملية نفسها متسجلة باسمي.
سكتت.
يعني إيه؟
يعني حسب ملف المستشفى، أنا عملت عمليتين قيصريتين.
داليا ما ردتش.
واضح إنها فعلًا اتصدمت.
قالت
لأ.
إيه لأ؟
أحمد قاللي إنه استخدم التأمين بس.
عمره ما قاللي إنه غيّر اسم المريضة.
سكتنا إحنا الاتنين.
لأول مرة حسيت إن داليا نفسها بدأت تفهم إن الموضوع أكبر منها.
قالت
مريم…
نعم؟
كملي في الاعتراض.
هكمل.
ولو احتاجوا شهادتي، أنا هقول الحقيقة.
قلت
ليه؟
لأن واضح إن الراجل ده كان بيكدب علينا إحنا الاتنين بدرجات مختلفة.
رديت ببرود
ما تحطيش نفسك مكاني.
أنا ما كنتش أعرف إنك موجودة.
إنتِ كنتِ عارفة.
سكتت.
قلت
الفرق كبير.
عندك حق.
قفلت المكالمة.
فضلت قاعدة فترة طويلة.
وبعدين عملت حاجة واحدة.
بعت صورة قسيمة جواز داليا لنفسي على الإيميل.
وبعت Screenshots لكل مطالبات التأمين.
وصورة أحمد في الحضانة.
وإيصال المستشفى.
كل حاجة.
لأول مرة من الصبح، ما كنتش عايزة إجابة من أحمد.
كنت عايزة مستندات.
تاني يوم الصبح، صحيت على 17 مكالمة فائتة منه.
ورسائل.
لازم نتكلم.
داليا قالتلك كلام مش حقيقي.
ما تصدقيش كل حاجة.
أنا هشرحلك.
ما رديتش.
روحت شغلي.
وطلبت من الموارد البشرية نسخة من تاريخ إضافة أفراد الأسرة على وثيقة التأمين الخاصة بيا.
الموظفة استغربت.
لكن بعد ما شرحت إن فيه تحقيق مفتوح، ساعدتني.
وبعد حوالي ساعة، حطت قدامي كشف قديم.
بدأت أقرأ.
وثيقة التأمين اتفعلت بعد جوازي بأربع شهور.
أنا صاحبة الوثيقة.
أحمد زوج.
طبيعي.
لكن بعدها بسنتين ظهر تعديل.
إضافة تابع.
سليم أحمد محمود.
وبعد أربع سنين…
إضافة تابع ثانٍ.
آسر أحمد محمود.
بصيت للموظفة.
مين قدم طلبات الإضافة؟
فتحت الأرشيف الإلكتروني.
لحظة.
وبعدين قالت
الطلبات جاية من حساب الموظف بتاع حضرتك.
قلبي وقع.
حسابي أنا؟
أيوه.
قلت
ممكن أشوف تاريخ التقديم؟
قالت
طبعًا.
الأول اتقدم الساعة 1143 صباحًا يوم 26 يوليو 2018.
فتحت تقويم موبايل قديم كنت لسه محتفظة ببياناته.
اليوم ده كنت في الشغل.
قلت
الطلب اتقدم من جهاز إيه؟
قالت
دي محتاجة قسم ال.
طلبت مراجعة.
الموضوع أخد وقت.
وفي آخر اليوم وصلني الرد.
الطلب اتعمل من جهاز كمبيوتر داخل الشركة.
جهاز موجود في الإدارة المالية.
الإدارة اللي كان أحمد بيشتغل فيها وقتها بعقد استشاري لمدة ست شهور.
ساعتها فهمت.
هو ماكانش محتاج كلمة السر مني.
كان عنده وصول.
أو حد ساعده.
بعد يومين، شركة التأمين اتصلت.
قالولي إن الاعتراض اتحول للتحقيق.
والمستشفى بدأت تستخرج الملفات الورقية الأصلية.
وأنا كنت مستنية الحاجة دي تحديدًا.
لأن عندي سؤال واحد
مين اللي مضى باسمي؟
بعد أسبوع تقريبًا، طلبوا حضوري.
روحت لوحدي.
أحمد حاول ييجي.
رفضت.
قعدت قدام موظف التحقيق.
كان قدامه ملفين.
فتح الأول.
دي أوراق دخول سنة 2018.
لفها ناحيتي.
بصيت للتوقيع.
اسمي مكتوب.
مريم عبد الرحمن.
لكن الخط مش خطي.
قلت
ده مش توقيعي.
فتح الملف التاني.
نفس الاسم.
وتوقيع مختلف شوية.
برضه مش توقيعي.
قال
هنحتاج نموذج توقيع رسمي من حضرتك للمضاهاة.
قلت
مفيش مشكلة.
وبعدين سألته
فيه صورة بطاقة؟
سكت لحظة.
وطلع نسخة.
بطاقتي.
مش صورة داليا.
بطاقتي أنا.
صورة واضحة من بطاقتي القديمة.
بدأت أفهم.
أحمد كان عنده نسخة من بطاقتي.
استخدمها.
قلت

والست اللي دخلت المستشفى؟ محدش طابق الصورة؟
الموظف قال
ده جزء من التحقيق.
وبعدين أضاف
خصوصًا إن فيه موظف كان مسؤول عن الملفين.
نفس الموظف.
في المرتين.
سألته
لسه شغال هنا؟
قال
لأ.
مشي إمتى؟
بص في الملف.
بعد الولادة التانية بحوالي شهرين.
كل حاجة بدأت تبان.
أحمد ما استغلش ثغرة مرة واحدة.
دي كانت خطة.
موظف بيسهل الدخول.
بطاقتي.
تأميني.
بياناتي.
وتوقيع مزور.
خرجت من المستشفى، ولقيت أحمد مستنيني عند العربية.
ما عرفتش عرف إني هناك إزاي.
أول ما شافني قرب.
مريم، كفاية.
وقفت.
كفاية إيه؟
الموضوع كبر.
ما هو كان كبير من البداية، أنا بس ما كنتش عارفة.
قال
ممكن نتكلم خمس دقايق؟
اتفضل.
قال
أنا غلطت.
سكت.
وأنا مستعد أصلح كل حاجة.
هتصلح إيه؟
التأمين.
ضحكت.
لسه فاكر المشكلة في فلوس التأمين؟
اتوتر.
قلت
إنت زورت توقيعي.
ما ردش.
استخدمت صورة بطاقتي.
سكت.
وخليت ست تانية تدخل مستشفى بهويتي.
قال
أنا ما كنتش متخيل إن ده ممكن يضرك.
بصيتله باستغراب حقيقي.
ما كنتش متخيل؟
يا مريم، إنتِ وقتها أصلًا ماكنتيش حامل.
الجملة خلتني أسكت.
هو كمل بسرعة
أقصد إن مفيش حاجة حصلتلك وقتها.
قلت
علشان أنا ماكنتش حامل، يبقى جسمي وسجلي الطبي مباحين ليك؟
مش ده قصدي.
النهارده أنا حامل.
قربت منه.
والدكتورة كانت هتتعامل معايا على إني عاملة عمليتين قيصريتين وعندي تاريخ نزيف بعد الولادة.
سكت.
قلت
لو ما اكتشفتش الموضوع بالصدفة، كنت ممكن أدخل أول ولادة ليا والدكاترة بياخدوا قرارات على تاريخ طبي مزور إنت عملته.
وطى عينه.
قلت
بس عندي سؤال أهم.
إيه؟
ليه اتجوزتني؟
رفع عينه.
إيه؟
داليا قالتلي إنك اتجوزتني علشان شغلي وعلاقاتي.
كدابة.
طيب قول الحقيقة.
أنا حبيتك.
فضلت باصة له.
قلت
كنت متجوز.
أيوه.
ليه ما قلتليش؟
كنت خايف ترفضيني.
ضحكت.
يبقى كنت عارف إن المعلومة لو عرفتها هتغير قراري.
ما ردش.
ومع ذلك خبيتها علشان تاخد القرار مكاني.
سكت.
قلت
بالظبط زي التأمين.
وبالظبط زي بياناتي.
إنت طول عمرك بتعمل نفس الحاجة يا أحمد.
بتقرر إنت الأول، وبعدين تخبي عني الحقيقة علشان مايبقاش عندي فرصة أقول لأ.
وشه اتغير.
يمكن لأول مرة فهم إن مفيش جملة هتصلح اللي حصل.
قال
والبيبي؟
بصيتله.
ماله؟
ده ابني.
حطيت إيدي على بطني.
قلت
أكيد.
وأنا مش همنعك من حقوقك كأب طالما ملتزم بيها.
وبعدين كملت
لكن ده مش معناه إنك هتفضل جوزي.
قال بسرعة
مريم، ما تاخديش قرار وإنتِ متعصبة.
قلت
أنا ماخدتش القرار النهارده.
إنت أخدته بدالي من عشر سنين لما اتجوزتني وخبيت إن عندك زوجة.
وسبته ومشيت.
الشهور اللي بعدها ما كانتش سهلة.
بدأت إجراءات الانفصال.
وقدمت كل المستندات المطلوبة في التحقيق الخاص بالتأمين والسجلات الطبية.
داليا اتطلبت للشهادة.
وللمرة الأولى، قالت رسميًا إنها هي اللي خضعت للولادتين.
وإنها لم تكن تعلم إن ملفات الدخول للمستشفى اتعملت باسمي.
أما موضوع علمها بجواز أحمد مني…
فده كان حساب تاني بيني وبينها، وما احتجتش أعمله.
أنا خرجتها من حياتي كلها.
شركة التأمين أوقفت التابعين اللي اتضافوا من غير موافقتي، وبدأت مراجعة المطالبات القديمة.
والمستشفى صححت التاريخ الطبي بعد إجراءات وتحقيقات استمرت شهور.
لكن اليوم اللي استلمت فيه إفادة التصحيح…
فضلت باصة عليها فترة طويلة.
لا توجد ولادات سابقة.
أربع كلمات.
بس رجعولي حاجة كنت فاكرة إنها عمرها ما ممكن تتسرق.
تاريخي أنا.
بعد شهور، دخلت نفس المستشفى علشان أولد.
كنت مرعوبة.
مش من الولادة بس.
من كل اللي حصل من أول مرة دخلت المكان.
الدكتورة الجديدة فتحت الملف على الكمبيوتر.
فضلت باصة للشاشة كام ثانية.
وللحظة…
رجعت بيا الذاكرة لأول يوم.
نفس الشاشة.
نفس الانتظار.
ونفس الخوف.
رفعت الدكتورة عينيها وسألتني
أول ولادة ليكي؟
ابتسمت.
المرة دي الإجابة كانت موجودة في مكانها الصح.
قلت
أيوه.
أول ولادة.
وبعد ساعات، سمعت صوت ابني لأول مرة.
حطوه على صدري.
بصيت لوشه الصغير وعيطت.
مش بس علشان بقيت أم.
لكن علشان الطفل اللي بين إيديا كان أول طفل في حياتي فعلًا…
وأول طفل يتسجل باسمي وأنا اللي ولدته.
بعد يومين، قبل ما أخرج من المستشفى، الممرضة جابتلي شهادة الميلاد علشان أراجع البيانات.
مسكتها.
قريت اسمي.
وبعدين اسم ابني.
الممرضة سألتني
البيانات كلها صح؟
بصيت للكلمة اللي جنب اسمي
الأم.
وافتكرت اليوم اللي اكتشفت فيه إن فيه طفلين كاملين عاشوا سنين في الملفات على إنهم أولادي.
ابتسمت وقلت
أيوه.
المرة دي… كل حاجة صح.
والغريب إن جوازي انتهى بسبب سؤال الدكتورة اللي وقتها حسيت إنه أغرب سؤال سمعته في حياتي
الولادتين اللي فاتوا كانوا قيصري، صح؟
أنا دخلت يومها المستشفى علشان أطمن على طفل لسه ما اتولدش…
وخرجت منها وأنا مكتشفة إن جوزي كان مخبي عني زوجة، وطفلين، وعشر سنين كاملة من حياتي.
لكن الحاجة الوحيدة اللي ما قدرتش أرجعها كانت السنين.
أما اسمي…
فأخدته كله ورجعت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى