عام

حكايات ندى الجمل

— عملت إيه؟
بنت خالي تقريبًا كانت بتصرخ في التليفون:
— أميليا قطعت مراسم الفرح قدام الناس كلها!
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— ريان مش عارف يقول إيه، وأختك واقفة مش عارفة تنطق، وكل العيلة باصة على بنتك!
كنت خلاص هلبس وأنزل.
لكن بنت خالي قالت لي:
— أني، لازم تيجي هنا. دلوقتي! إنتِ مينفعش تفوتي اللي بيحصل.
قلت لها وأنا مش فاهمة:
— حصل إيه بالظبط؟
سكتت ثواني.
وبعدين صوتها وطي جدًا وهي بتقول:
— لازم تشوفي بنفسك…

مافكرتش حتى أغيّر هدومي.
لبست أول حاجة وقعت تحت إيدي، وخطفت شنطتي ونزلت أجري على السلم.
طول الطريق وأنا بحاول أتصل بأميليا، لكن تليفونها كان مقفول.
اتصلت ببنت خالي تاني.
— قوليلي حصل إيه؟!
ردت بسرعة:
— لما تيجي هتفهمي كل حاجة… بس أوعي تتصرفي بعصبية.
— يعني إيه ما أتصرفش بعصبية؟ دي بنتي!
— أني، اسمعيني… أميليا عملت حاجة محدش كان متوقعها.
— قالت إيه؟
سكتت شوية، وبعدين قالت:
— قالت حاجة خلت القاعة كلها تسكت.
قلبي كان هيقف.
— طب هي فين دلوقتي؟
— واقفة قدام الكل.
— وريان؟
— قدامها.
— وأختي؟
— جنب المأذون… ووشها اتغير خالص.
قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة حاجة.
أول ما وصلت قدام القاعة، لقيت ناس كتير واقفة برا.
واضح إن الخبر انتشر بسرعة.
دخلت وأنا نفسي مش منتظم.
ولما فتحت باب القاعة…
كل الأصوات اختفت.
الناس كانت ساكتة بشكل غريب.
وفي نص القاعة كانت أميليا واقفة.
لابسة فستانها الصغير، وماسكة في إيدها شنطة وردية.
قدامها كان ريان واقف، وشه أحمر ومتوتر.
وأختي كانت واقفة جنب المأذون، ولسه لابسة فستان الفرح.
أول ما أميليا شافتني، عينيها لمعت.
جريت عليا.
حضنتني جامد.
— ماما!
حضنتها وأنا مش قادرة أتكلم.
— إنتِ كويسة يا حبيبتي؟
هزت راسها.
— أنا كويسة.
بعدين بصت ورايا، وكأنها بتتأكد إن محدش جاي يمنعها.
وقالت بصوت واضح:
— أنا بس كنت مستنية ماما تيجي.
ريان قرب منها.
— أميليا، كفاية بقى. إحنا نتكلم بعدين في البيت.
بصت له وقالت:
— لأ يا بابا.
نبرة صوتها كانت هادية بشكل غريب.
— أنا عايزة أقول الكلام ده دلوقتي.
ريان بص لأمي وقال:
— هي مش فاهمة هي بتعمل إيه.
هنا أميليا ردت بسرعة:
— أنا فاهمة كويس.
القاعة كلها فضلت ساكتة.
قالت:
— أنا عندي تسع سنين، بس مش صغيرة لدرجة إني ما أفهمش إن بابا وماما كانوا متجوزين وإن بابا ساب ماما عشان خالتي.
وش أختي اصفّر.
أمي قامت من مكانها.
— أميليا! عيب الكلام ده!
بنتي بصتلها.
— ليه عيب يا تيتا؟
وبعدين كملت:
— هو مش ده اللي حصل؟
محدش رد.
أميليا أخدت نفس عميق.
— أنا مش جاية أفسد فرح بابا.
وبصت لريان.
— أنا جاية أقول له حاجة واحدة بس.
ريان قرب منها.
— قولي.
قالت:
— أنا كنت فاكرة إن بابا ممكن يتجوز خالتي ويكون مبسوط، حتى لو أنا زعلانة.
ريان ابتسم ابتسامة متوترة.
لكنها كملت:
— بس أنا اكتشفت النهارده إن في حاجة أهم.
الابتسامة اختفت من وشه.
— إيه؟
قالت:
— إن ماما مش الوحيدة اللي اتظلمت.
بصت ناحية إخواتها.
— إحنا كمان اتظلمنا.
الناس بدأت تبص لبعض.
أميليا قالت:
— لأن بابا ما سابش ماما بس.
— هو ساب البيت كله.
ريان حاول يقاطعها:
— أميليا…
لكن بنتي رفعت إيدها.
— خليني أخلص.
ولأول مرة شفت ريان واقف قدام بنته ومش عارف يقول إيه.
أميليا فتحت شنطتها.
طلعت منها ظرف أبيض.
وبصت لريان.
— فاكر ده؟
ريان بص للظرف باستغراب.
— لأ.
قالت:
— المفروض تفتكره.
ومدت الظرف له.
ريان أخده.
فتح الورقة.
قرأها.
وفجأة وشه اتغير.
بص لأميليا.
— إنتِ جبتي الورقة دي منين؟
أميليا ردت بمنتهى الهدوء:
— من أوضتك.
أختي قربت منه.
— ورقة إيه؟
ريان ما ردش.
أميليا بصت لخالتي وقالت:
— الورقة دي كانت عند بابا من فترة طويلة.
أختي بدأت تتوتر.
— إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
أميليا قالت:
— عن ورقة فيها حاجة بابا ماقالهاش لماما.
أنا كنت واقفة مش فاهمة.
قربت من بنتي.
— أميليا، إيه الورقة دي؟
بصت لي.
— دي نتيجة تحليل.
قلبي اتقبض.
— تحليل إيه؟
بصت لريان.
— تحليل DNA.
القاعة كلها اتقلبت.
ريان خطف الورقة من إيدها.
— مين سمح لك تفتحي حاجتي؟!
أميليا لأول مرة بان عليها الخوف.
لكنها ما رجعتش لورا.
قالت:
— كنت بدور على صورة ليا ولإخواتي.
وسكتت لحظة.
— لقيت الورقة.
ريان كان ماسكها بإيده وبيترعش.
أنا بصيت له.
— تحليل DNA لمين يا ريان؟
ما ردش.
كررّت:
— لمين؟
أميليا بصتلي وقالت:
— ليك يا ماما.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدنيا كلها تسكت:
— النتيجة بتقول إن بابا… مش أبو طفل من أطفالنا.
أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
بصيت لريان.
— إيه؟
هو فضل ساكت.
أختي قربت منه وهي بتترعش.
— ريان… إيه اللي مكتوب في الورقة؟
رفع عينه وبصلها.
ولأول مرة من يوم ما عرفت بخيانته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش ندم.
مش حب.
خوف.
وأميليا قالت:
— بس دي مش المفاجأة الوحيدة.
القاعة كلها اتشدت لكلامها.
وأنا بصيت لبنتي وأنا حاسة إن في كارثة أكبر لسه مستخبية.
أميليا فتحت شنطتها تاني.
طلعت ظرف تاني.
وقالت:
— الورقة دي… أنا لقيتها في بيت خالتي.
أختي شهقت.
— إنتِ دخلتي بيتي إمتى؟!
أميليا بصتلها وقالت:
— قبل الفرح بيوم.
وبعدين مدت الظرف ناحيتي.
— ودي يا ماما… ليكي إنتِ.
أخدت الظرف بإيد مرتعشة.
لكن قبل ما أفتحه…
ريان صرخ:
— ما تفتحيهوش!
ولأول مرة…
عرفت إن اللي جوا الظرف ده ممكن يغيّر كل حاجة.

إيده كانت ممدودة ناحيتي، وصوته مليان خوف:
— أني… بالله عليكي، ما تفتحيش الظرف ده.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
من ساعة ما اكتشفت خيانته، وأنا شفت منه الكذب والبرود واللامبالاة.
لكن الخوف اللي في عينيه دلوقتي كان مختلف.
كان خايف من حاجة أنا لسه ماعرفتهاش.
بصيت لأختي.
كانت واقفة مكانها، ووشها شاحب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى