روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 1

خطيبي كلمني فون وأنا بكلمه لقيته مخنوق وباين عليه. فضلت أقول له: مالك؟ مالك؟ احكيلي في إيه؟ مردش يحكي. وبعد إلحاح عليه قالي: عايزة الصراحة؟ قولتله: آه احكيلي في إيه. قالي: مبقتش شايفك زي البنات، ولا بقيتي بتشديني، ولا تفرضي عليا أنوثتك. إنتي مش لافتة نهائي، ووزنك زايد شوية، ولما خرجت معاكي لاحظت شعر زائد باين في وشك في الضوء، ونفرت منك. إنتي مفكيش ريحة الأنوثة.

بس اللي حصل بعد كده كانت الصدمة نازلة على قلبي زي المية المغلية، ولساني اتعقد ومش عارفة أنطق كلمة واحدة. صوت النحنحة والجفاء في كلامه وهو بيعدّد العيوب كأنه بيمسح بيا الأرض كان بيقطع في صدري كأنه موس حاد.

أنا قاعدة على السرير، سخونة نزلة البرد بتاكل في عظامي، وزوري مقفول من الصديد ومش قادرة حتى أبلع ريقي، وهو فوق كل ده بيغرّز السكينة في قلبي بدم بارد.

“أنا بقيت أنفر منك.. ومش شايف فيكِ أي أنوثة ولا بتشديني نهائي!”

الكلام كان بيدور في دماغي وزي ما يكون بيكرر نفسه ألف مرة. دموعي نزلت حامية على خدي، وبصيت في شاشة التليفون لقيتها طفيت.. قفل السكة بعد ما رما الكلمتين ودبحني، وسابني أصارع الموت البطيء بين الصهد اللي طالع من جسمي والتعب النفسي اللي هدّ حيلي.

أنا “مريم”، البنت اللي طوال عمرها شقيانة ومستحملة، نزلت الشغل تحيل الشمس المحرقة عشان تساعد في مصاريف جوازها، وشها اللي اتأكسد ولونه بقى غير موحد من كتر الفرهدة تحت شمس الظهرية، جسمي اللي زاد شوية في الإجازة بعد ما انحبست في البيت من التعب وقلة الحركة، ومسام وشي اللي فتحت من كتر الشقا والعرق.

كل ده بدل ما يتشاف إنه ضهر ومنديل يتربط على جرح، اتشاف إنه “نفور” ومبرر إنه يقلل من قيمتي!

فضلت خمس أيام مرمية في السرير مش قادرة أتحرك، والكلمات بترن في ودني: “شعر زائد باين في الضوء.. وشعر صوابعك.. ومسام إيدك!”.

كانت كل كلمة منه بتموت فيا حاجة حلوة، وتزرع بدالها كره ونار بتغلي. في اليوم السادس، والنار بتاكل في قلبي، مسكت التليفون وإيدي بتترعش من كتر الغل. اتصلت بيه. رد عليا ببرود وكأنه ميعرفش هو عمل إيه: “أيوة يا مريم.. خير؟”

استجمعت كل القوة اللي فاضلة في روحي، ومسحت دموعي بإيدي، وقلت بصوت حاد ومتماسك بس ثابت زي الجبل: “الخير إنك تلم لعبك ويا دار ما دخلك شر.. خطوبتنا انتهت يا حازم، وكل شيء قسمة ونصيب.”

سكت ثواني مصدوم، افتكرني هعيّط وأترجاه، بس كبريائي كان أقوى من أي وجع.

كملت قبل ما ينطق كلمة: “اللي تشق عشان تبني بيت، ماتستاهلش واحد عينه فارغة ما بيشوفش غير القشور.. الشبكة وحاجتك هتوصلك لباب بيتك بكرة.”

وقفلت السكة في وشه، وبلكته من كل حتة!

في اللحظة دي، طارت نوبة البرد، والتعب اتبخر ورجع بداله مية عفريت بتنطط في دماغي.

وقفت قدام مراية الدولاب وبصيت لوشي.. الشفايف المتشققة، الهالات السودة، اللون المتغير، والشعر اللي أهملته من كتر التعب. مسحت وشي وقعدت أكلم نفسي بحدة: “بقى أنا مريم اللي الكل بيحلف بجمالها وروحها يتقال عليا كده؟ بقى عشان وقعت مرضة وأهملت نفسي شوية يبصلي باستصغار؟ والله لأوريك مين هي مريم، ولأخليك تأكل في نفسك ندماً!”

فقت لنفسي فوقة الفهد اللي راجع يفترس. دخلت الحمام وشغلت المية السخنة، نزلت كل الهم والنفور من على جسمي. طلعت ودخلت على النت، بدأت أعمل سيرش عن كل حاجة تقلب الموازين: ماسكات لتوحيد لون البشرة، جلسات تقشير، تفتيح الأماكن المتغيرة، ووصفات لتضييق المسام.

نزلت الصيدلية وجبت كريمات وسيروم فيتامين C، وعملت جدول قاسي لنفسي: دايت منتظم عشان أنزل الشوية اللي زدتهم، رياضة كل يوم في الصالة، وسويت وتنظيف بشرة وتفتيح ليل ونهار. كنت كل ما أحس بتعب أو كسل، افتكر كلمة “بقيت أنفر منك”، تقوم النار تولع جوايا وتخليني أقوم أفرك جسمي بالقهوة والليمون والزيوت.

عدى شهر كامل.. شهر وأنا محبوسة في الأوضة زي الفراشة اللي بتغزل شرنقتها. نزلت الـ 8 كيلو اللي زدتهم وجسمي بقى متناسق، بشرتي رجعت تلمع وزي القشطة بعد ما اللون المتغير اختفى والمسام اتقفلت، وشعري بقى يبرق وزي الحرير.

في يوم، كان عندي مناسبة في عيلة قرايبنا، قررت أخرج للدنيا بشكلي الجديد. لبست فستان أحمر على المقاس بظبط، وطرحة بيضا منورة، وحطيت ميك أب هادي يبرز ملامحي الرقيقة. وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي بثقة.. مابقتش مريم المكسورة والمجهدة، بقت ملكة كل حتة فيها بتنطق أنوثة وجاذبية.

نزلت من البيت ومشيت في الشارع بثقة وهيبة، والعيون كلها عليا.. وفجأة، وأنا معدية من جنبة القهوة اللي في أول الشارع، كان حازم قاعد مع أصحابه.. وبمجرد ما لمحت عينه جت عليا، وقفت الحركة في الشارع كله!

وجلس حازم على المقعد الخشبي المتهالك أمام القهوة، يقلّب كوب الشاي بغير هدى، وعيناه زائغتان. كان يظن أن مريم ستنهار، ستتصل به تبكي وتتوسل أن يسامحها أو يعود إليها، لكن غيابها لمدة شهر كامل صمت قاتل قتل كبرياؤه. وفي اللحظة التي قرر فيها أن يتناسى وجودها، انشق الشارع عن هالة لم يرَ لها مثيلاً.

خطوات واثقة تتنغم على الأسفلت، فستان أحمر يلتف بقوام متناسق كأنما رُسم بفرشاة فنان، وبشرة ناصعة تتلألأ تحت شعاع الشمس الدافئ، تعكس أنوثة واضحة ورقة لا تُخطئها عين. اتسعت عيناه، وسقطت ملعقة الشاي من يده لتصطدم بالرخام برنين حاد، بينما جمُدت كلمات أصحابه على ألسنتهم وهم يتابعون طيف هذه الحسناء المارّة.

لم تكن سوى… مريم. قام حازم واقفاً في ذهول، كأنما ضُرب بصاعقة. عيناه أكلتا تفاصيلها: القوام المتناسق، الوجه المشرق الخالي من أي أثر للتعب أو الإجهاد، الأنوثة التي تظهر في كل حركة وسكنة. حاول حازم أن يبتلع ريقه الذي جفّ تماماً، وشعر بدوار يضرب رأسه.

هل هذه هي مريم التي تركها قبل شهر تعاني الحمى والإنهاك؟ هل هذه هي البنت التي تجرأ ونعتها بالنفور؟ مرت مريم من أمامه بكبرياء ملكة، لم تلتفت إليه، لم تمنحه حتى نظرة عابرة، بل تجاوزته وكأنه جدار ميت لا وجود له.

هذا التجاهل كان أشد من أي صفعة على وجهه. شعر بحرارة الغضب والندم تجري في عروقه كالسم. ترك أصحابه يتساءلون وهرول خلفها بخطوات سريعة، وصوته يخرج مخنوقاً ومضطرباً: “مريم!.. مريم استني هنا!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى