روايات وقصص

عزا أمى

وفي وسط العزا، جوزي طلبني أروحله ضروري.روحت لجوزي، لقيته بيقول لي: “سيبي العزا وروحي اعملي أكل لأهلي، عشان زمامهم جعانين وشوية وهيمشوا.” بصيت له بذهول. إزاي مش واخد باله من مشاعري ولا وجعي ولا ؟ إزاي مش شايف دموعي؟ الكلمة وقفت في حلقي، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. أمي.. أمي اللي لسه ما لحقتش  إنها سابتني، أمي اللي جزء من قلبي  معاها من ساعات قليلة.

“أنا أمي راحت! إنت  يعني إيه أمي راحت؟”

لكن صوتي ما طلعش.

نظراته كانت عادية، باردة، وفيها استعجال، وكأننا في مناسبة عادية، مش في عزاء أغلى الناس.

بلعت ريقي بصعوبة،   نزلت تاني. دخلت المطبخ  كله  . وقفت قدام البوتاجاز والحلل، وأنا حاسة إن كل خطوة بعملها بتضغط على  أكتر.

جوه المطبخ،   مغطية عيني، كنت بحاول  في إيدي وأنا بحضر الأكل وأحطه في الأطباق، والنار اللي في قلبي مش بتطفي.

وفجأة، سكت صوت المطبخ شوية، وبدأ يوصل لمسامعي همس وضحك مكتوم جاي من الصالة القريبة.

وقفت مكاني عشان أسمع.

كان صوت حماتي وأخت جوزي.

سمعت أخته وهي بتقول بنبرة فيها سخرية:

“شفتي الست اللي كانت قاعدة بره دي؟ شكلها هتفضل تعيط طول اليوم. والناس اللي جاية تعزي دول كمان، كل واحد جاي بشكل!”

ردت حماتي بضحكة خفيفة:

“سيبك منهم، ناس بتحب المظاهر وخلاص. أنا اللي مضايقني إني جعانة والريحة طالعة من المطبخ. زمانها بتحضر الأكل وهي متضايقة، بس أهو أحسن من قعدتنا دي.”

وقفت مكاني وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.

وبعدين سمعت حماتي بتكمل:

“هي فاكرة إنها هتاخد حجة أمها وتفضل قاعدة وتريح على حساب إنها زعلانة؟ لا يا حبيبتي، خليها تعرف مسؤوليتها من أول يوم. الحزن في القلب، لكن المسؤوليات لازم تتعمل.”

الكلام دخل قلبي زي الحجر.

ما رديتش، وما عملتش مشكلة. كملت اللي في إيدي وأنا حاسة إني اتكسرت من جوايا.

لكن الأيام بتكشف كل حاجة، والسنين بتغير موازين كتير.

وبعد فترة، أخت طليقي اتجوزت.

في البداية كانت فرحانة جدًا، لكن حياتها الجديدة ما كانتش زي ما توقعت. زوجها كان شخصًا شديد التحكم، وبدأ يبعدها عن أهلها ويضيّق عليها في كل حاجة.

بقت حماتي تعيش في قلق مستمر بسبب بنتها، بعدما كانت زمان بتقول لي إن الحزن ما يمنعش الإنسان من أداء مسؤولياته.

وبقت تشوف بنفسها قد إيه الإنسان ممكن يتوجع لما يشوف حد قريب منه بيمر بظروف صعبة.

أما طليقي، اللي اختار يبعد عني في وقت كنت فيه محتاجة له، وراح وراء بنت خالته، فالأيام علمته درسًا هو كمان.

بنت خالته، اللي كان شايف إنها بتحبه وبتقف جنبه، لما ظهر في حياتها شخص ميسور وبدأ يعرض عليها حياة مختلفة، اختارت طريق تاني.

هو وقتها فهم إن الإنسان أحيانًا يضيع حاجة ثمينة وهو فاكر إن البديل أفضل.

لكن هي نفسها اكتشفت بعد الزواج إن الحياة الجديدة مش بالسهولة اللي كانت متخيلها، وإن المظاهر مش دايمًا معناها راحة.

وبمرور الوقت، بدأت المشاكل تظهر، وبقت تعيش في ضغط كبير وتحاول تحافظ على شكل الحياة قدام الناس.

أما أنا، فكنت بعيدة عن كل ده.

ما شمتتش في حد، وما تمنيتش لحد الأذى.

كل اللي عملته إني ركزت في حياتي، وبدأت أرتبها من جديد.

رجعت لبيت أمي، وقعدت في البلكونة، وأخدت نفس طويل.

افتكرت كل اللي حصل، وكل  اللي نزلت، وكل المواقف اللي حسيت فيها إني لوحدي.

وساعتها فهمت إن ربنا مش محتاج مني أنتقم لنفسي.

الأيام كفيلة إنها تكشف الحقيقة، وكل إنسان في النهاية بيشوف نتيجة اختياراته.

حمدت ربنا على إن قلبي هدي، وإنني قدرت أبدأ من جديد.

ومن يومها قررت إن أحسن رد على اللي وجعوني مش إني أتمنى لهم نفس الوجع، لكن إني أعيش حياتي بشكل أفضل، وأثبت لنفسي قبل أي حد إن ي أصعب وقت.

لكن الأيام علمتني إن الإنسان ممكن يخسر ناس، ويخسر ، ويعدي بأصعب فترة في حياته، ومع ذلك يبدأ من جديد أقوى وأهدى.

وأحيانًا، أكبر انتصار مش إنك تشوف غيرك يتعب…

أكبر انتصار إنك توصل لمرحلة ما تبقاش محتاج فيها تشوفه أصلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى