
وقفت مريم في منتصف الطريق، لم تتفاجأ، بل ابتسمت ابتسامة ساحرة وثابتة لم تبلغ عينيها الباردتين كالجلـيد.
التفتت إليه ببطء، رفعت رأسها بثقة تتألق في عينيها، وقالت بنبرة هادئة ورزينة تحمل كل معاني الترفّع: “نعم يا حازم؟ في حاجة نسيت تبعتها مع الشبكة؟”
وقف حازم أمامها مبهوتاً، جثا كبرياؤه عند قدميها دون أن يشعر. نظرت عينيه إلى وجهها الصافي الذي يلمع كاللؤلؤ، وإلى قوامها المتناسق الذي يضج بالجمال. ارتبكت كلماته، وتلثم لسانه، وقال بصوت يرتجف نادماً: “إيه ده يا مريم؟ إنتِ… إنتِ بقيتِ كده إزاي؟ أنا… أنا مش مصدق عيني! مريم، إحنا لازم نتكلم، أنا ظلمتك… أنا كنت غبي ومقنعتش باللي في إيدي!”
مد يده ليلمس أطراف معصمها، لكنها تراجعت خطوة إلى الخلف بسرعة وحزم، ونظرت ليده بنظرة جعلته يسحبها فوراً كمن لمس ناراً. ردت عليه بصوت صلب هز أركان الشارع: “تتكلم في إيه يا حازم؟ إنت اتكلمت ووفرت كلامك كله يوم ما كنت مرمية بين أربع حيطان من شدة المرض، يوم ما نسيت إن الشقا اللي غير شكلي كان عشان أبني معاك بيت! يومها شوفت القشور ورجمتني بأبشع الكلام.. جيت دلوقتي لما القشرة تحسنت تسيل لعابك؟ إنت مابتحبش إنسانة، إنت بتدور على عروسة حلاوة تتباهى بيها قدام الناس!”
حازم بلهفة وعيون ملؤها التوسل: “والله كنت غبي يا مريم، الشيطان كان عامي عينيا! ارجعيلي وأنا هثبتلك إني تغيرت، هطلب رضاكي، هجيبلِك النجم من السماء.. أنا بحبك ومش قادر أعيش من غيرك، الشارع كله حس إن روحي راحت مني من يوم ما بلكتيني!”
ضحكت مريم ضحكة قصيرة، ضحكة صافية أظهرت نضارة وجهها ورقتها، لكنها كانت محملة بسخرية مريرة وقالت: “تتغير؟ البناء لما يتهدم من الجذور ما ينفعش ترممه بكلمتين يا حازم. إنت ماشوفتش مريم اللي ضحت، فمش من حقك تشوف مريم اللي أشرقت. الكلمة اللي خرجت من لسانك وقت ضعفي كانت كفيلة تموت أي مشاعر حلوة كانت ليك في قلبي.. والنهارده، مريم بقت قوية بدرجة ما تسمحلكش حتى توقفها في الشارع.”
تركته واقفاً في مكان مصدوماً، يلهث كالغريق، ودارت بكامل أنوثتها وأناقتها لتكمل طريقها إلى المناسبة. كان كل خطوة تخطوها بعيداً عنه تعني مسماراً يُدق في نعش غروره.
وصلت مريم إلى حفل الزفاف، وكانت عروس الصالة غير المتوجة. الأنظار لاحقتها، والإطراءات انهمرت عليها من كل جانب، ووالدتها تنظر إليها بدموع الفخر والارتياح. لكن المفاجأة لم تنتهِ عند هذا الحد؛ فبينما كانت مريم تجلس بثقة وتتناول العصير، اقتربت منها إحدى أقارب العريس، وهي سيدة راقية ينضح وجهها بالطيبة والوقار، وقالت لها بابتسامة دافئة: “بسم الله ما شاء الله يا مريم.. تبارك الرحمن، جمال وأخلاق وشهامة نسمع عنها من كل الناس. ابني مهندس طارق راجع من السفر ويدور على بنت حلال تصونه وتكون ضهره، وأنا مش هبص لغيرك.. تسمحيلي أطلب إيدك رسمياً من والدتك؟”
في هذه الأثناء، كان حازم يقف أسفل منزل مريم كالمجنون، يروح ويجيء في الشارع، يحمل في يده وردًا ورسالة اعتذار كتبها بدموعه وندمه، ينظر إلى النافذة المظلمة ينتظر عودتها، وقلبه يعتصره ألم الفقد؛ فقد أدرك بعد فوات الأوان أن الجوهرة التي فرط فيها أصبحت مطمعاً للجميع، وأن مريم لم تعد تراه أصلاً.
عادت مريم إلى منزلها متأخرة، لتجد حازم يركض نحوها فور نزولها من السيارة، ينظر إليها بعيون رجاء متوسلة: “مريم.. أرجوكي، إديني فرصة واحدة، فرصة أصلح فيها كل اللي كسرته.. أنا مستعد أعتذر قدام الدنيا كلها!”
وقفت مريم أمامه تحت ضوء العمود، ينعكس على وجهها النقي بثقة وجاذبية تتلألأ، وقالت له بصوت جاف وواضح: “الفرص بتعطى للي بيغلط في حقنا وهو يحترمنا، مش للي بيطرق على أوجاعنا وينفر من ضعفنا. طريقي خلاص اتغير يا حازم.. ووقتك معايا انتهى للأبد.”
تركته وقذفت كلماتها الأخيرة في وجهه، ثم صعدت السلم بخطوات ثابتة، بينما بقي حازم وسطه الشارع يلملم بقايا كبريائه المكسور، وورده الذي ذبل في يده، يعتصر الندم حسرة على جوهرة لم يعرف قيمتها إلا بعد أن فقدها.


