روايات وقصص

غرور 2

بقلم امانى السيد

لكن عشان تسند على الباب الموارب اللي كان شاهد على ليالي بكاها وسهرها عشاني. رفعت وشها بهدوء غريب ومرعب، عينيها اللي كانت بتبكي نشفت منها الدموع فجأة، وبصت لنورهان بنظرة خلت ابتسامة نورهان الساخرة تتهز لثانية واحدة. وبصوت واطي بس كان بيزلزل العمارة من قوة ثباته، قالت:

“الفلوس دي تشتري بيها راجل زيه، راجل يتباع ويشترى في سوق الهوان.. لكن أنا؟ أنا كنت شايلاه يوم ما كانش يسوى في سوق الرجال تلاتة مليم، شيلته بكرامتي وبدهبي وبصحتي. انتي مخدتيش مني حاجة يا هانم، انتي خدتي قشرة بني آدم، خدتي الراجل اللي باع شرفه وأصله عشان يركب عربية وياكل لقمة من عرق غيره.”
لفت وشها ناحيتي، وبصت في عيني مباشرة، نظرة حسستني إني بتجرد من هدومي ومن كل قرش عملته في الغربة، وقالت بنبرة قطعت كل حبل كان رابطنا:
“أما إنت يا أحمد.. فـ حسبي الله ونعم الوكيل فيك، ربنا مش هيسيبك، والقرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك. من اللحظة دي، إنت ميت في عيني وفي قلبي.”
رزعت الباب في وشنا بصوت زلزل السلم القديم كله، وقفلته بالمفتاح من جوة بجمود حاسم. نورهان حاولت تداري ارتباكها ورجعت تضحك بتصنع وقالتلي: “يلا يا بيبي.. ملكش دعوة بالبيئة دي، خلينا نمشي”، لكن أنا رجلي مكنتش قادرة تتحرك، ودقات قلبي كانت بتدق برعب حقيقي.. حسيت إن باب الشقة ده مقفلش في وشي بس، ده قفل معاه كل باب رحمة وستر كان مفتوحلي في الدنيا.
صوت الترباس وهو بيتقفل من جوة كان عامل زي طلقة رصاص استقرت في نص دماغي، ورزع الباب نزل صوته يرن في منور العمارة وعلى السلم المفتوح زي الرعد.
نورهان مسكت إيدي بقوة، ضوافرها غرزت في جلدي وهي بتشدني وراها، وصوت كعبها العالي لسه بيخبط على درجات السلم المكسرة بانتصار مستفز. وإحنا نازلين، لاحظت إن أبواب الشقق في الأدوار اللي تحت كانت مواربة.. حس الفضيحة كان عالي، واليمين اللي رميته بأعلى صوتي مع زعيق نورهان وتعييرها لفاطمة كان كافي جداً يسمّع العمارة كلها من ساسها لراسها، ويفهمهم إن ابن حتتهم رجع من السفر بواحدة تانية، طلق الست اللي شالت أهله ومرمطها على عتبة بيتها.
نزلنا للشارع، وكان في كام راجل من كبار الحارة واقفين عند دكان البقالة اللي قدام البيت، وشباب الحتة ملمومين على أول الحارة. أول ما شافوني خارج ولابس البدلة النضيفة وجنبي نورهان بكامل شياكتها والعربية الفارهة راكنة وسط الشارع المترب، سكتت أصواتهم فجأة. بصاتهم كانت كلها لوم وعتاب تقيل يكسر الضهر، بصة للي لسه سامعينه فوق وبصة تانية ليا، كأنهم بيقولولي من غير ولا كلمة: “خسارة تربيتك وسطنا، وخسارة العيش والملح اللي هانوا عليك في لحظة.”
حاولت أهرب بعيني منهم، وركبت العربية بسرعة وأنا حاسس بصغر وخزي عمري ما عيشته. نورهان قفلت الباب، خدت نفس عميق، وبصت في مراية الصالون تعدل الروج بتاعها وهي بتقول باستهزاء وبرود:
“شوفت بقى؟ الموضوع مكنش محتاج الدراما والتردد بتاعك ده كله.. شيلنا الهم وخلصنا منها، ومن هنا ورايح مش عايزة اسمع اسمها تاني على لسانك ولا حتى تفكر تبص وراك للبيئة دي.”
دورت العربية وانطلقت بينا في شوارع القاهرة متجهة للكومباوند الفخم في التجمع. طول الطريق كنت ساكت تماماً، باصص على الطريق السريع بس مش شايف غير مشهد فاطمة ودموعها المكسورة، وصوتها وهو بيرن في ودني: “القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.”
الكلمة كانت بتلف في عقلي زي الدوامة، وكل ما نورهان تفرك في التليفون وتتكلم عن الفيلا الجديدة وديكوراتها، كنت بحس ببرودة غريبة بتسري في جسمي، كأن العز ده كله اتبنى على رمال متحركة هتبلعني في أي ثانية.. خلاص، القناع وقع، وأنا بعت أهلي وأصلي برضايا، وبدأ العداد يعد عليا تمن كل دمعة وقهرة سبتها ورايا.
الأيام الأولى بعد المشهد ده كانت ماشية في دوامة سريعة وكأن الدنيا بتحاول تعميني عن اللي عملته. نورهان خدتني في رجلها على المكاتب العقارية، بنمضي عقود الفيلا وبنختار أحدث التشطيبات، وكانت بتتعامل بمنتهى السيطرة، هي اللي بتدير، هي اللي بتدفع، وهي اللي بتحدد مين يدخل حياتنا ومين يخرج. وأنا؟ كنت مجرد تابع، شريك بالاسم وواجهة بتمشي في ضلها.
كنت كل ما أحط راسي على المخدة بالليل في الأوتيل الفخم، أسمع صوت رنة الكعب وصوت المفتاح وهو بيقفل باب فاطمة. حاولت أكلم أمي عشان أطمن، بس أول ما سمعت صوتي، ردت عليا بنبرة كلها وجع وقالتلي:
“أبوك مريض يا أحمد، ومكناش لاقيين حق الدوا لولا فاطمة اللي باعت مكنة الخياطة بتاعتها ووقفت معانا.. انت بعت الأصيلة عشان الفلوس، بس الفلوس هتروح والندم هيفضل لازق في توبك ليوم الدين.”
وقفلت السكة في وشي من غير ما تديني فرصة أنطق.
الكلام نزل عليا زي السم، بس نورهان مكنتش بتديني مساحة أتنفس أو أفكر. بعد شهرين من الجواز الرسمي ونقل كل استثماراتي باسم الشركة المشتركة اللي عملناها، بدأت المعاملة تاخد شكل تاني خالص. نورهان بدأت تزهق من دور “الزوجة المنقذة”، ونبرة التكبر اللي دمرت بيها فاطمة زمان، بدأت تتوجه ليا أنا شخصياً وبشكل يومي.
في يوم، كنت راجع متأخر من موقع الفيلا، لقيتها قاعدة في الصالة، وحاطة قدامها ملفات الحسابات، وشها مكنش فيه أي تعبير غير القسوة والبرود. أول ما دخلت، رمت الملف على التربيزة وقالتلي باستهزاء:
“إيه التخبيط اللي عامله في حسابات المشروع ده؟ هو انت فاكر نفسك بتدير دكانة في حارتكم القديمة؟ الظاهر إن البيئة اللي طلعت منها لسه مأثرة على دماغك، ومش قادر تفهم يعني إيه استثمار بملايين!”
وقفت مصدوم، لساني اتعقد، وبصتلها وأنا مش مصدق إن نفس الإهانة اللي وقفت اتفرج عليها زمان وهي بتتوجه لفاطمة، بتلف الدايرة وترجع تدوس على كرامتي أنا وبنفس النبرة والتعالي.
حاولت أبلع الإهانة وأرد بهدوء عشان ألمّ الموقف: “نورهان، أنا مهندس وعارف شغلي كويس، والأرقام دي مدروسة…”
قاطعتني بضحكة مستفزة قطعت كلامي في نص حنجرتي، وقفت وحطت إيديها في وسطها وبصتلي من فوق لتحت بنفس النظرة اللي بصت بيها لفاطمة على عتبة الباب القديم:
“مهندس إيه وشغل إيه يا حبيبي؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ إنت لولا اسمي وعلاقاتي وفلوسي مكنتش تحلم حتى تعدي من قدام بوابات الكومباوند ده! فوق لنفسك واعرف حجمك.. إنت هنا بتنفذ اللي أقوله بالحرف، مسمعش صوتك ولا أشوف منك تفلسف.”

مقالات ذات صلة
السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى