روايات وقصص

جوزى 2

الكاتبة امانى السيد

أما طاهر، فـ حاله اتقلب.المركب اللي مريم قالت عليها بقت ماشية، بس طاهر كان حاسس إنه “راكب قطار” وموش يد في الدريكسيون. في المحل، بقا يشتغل وعينه في الأرض، مبقاش يقعد على القهوة كتير يتباهى ويحكي، بقا يخلص شغله ويرجع البيت وهو شايل شيلته في سكات.

وفي يوم، طاهر رجع البيت العصر، لقى مريم مجهزة السفرة، وكان قاعد معاها أبوها عم مرزوق.الراجل العجوز أول ما شاف طاهر، وش الصبح ضحك، وقام وقف وقاله: “أهلاً يا ولدي.. خطوة عزيزة، أنا قولت أجي أطمن على علي وعلى مريم، وأجيب معايا شوية خضار من الغيط.”

مقالات ذات صلة

طاهر بص لعم مرزوق، وافتكر اليوم اللي داس فيه على كرامة الراجل هذا، وبص لمريم اللي كانت بتغرف الرز بابتسامة صافية لـ أبيها.حس بحاجة غريبة بتتحرك في

حس بحاجة غريبة بتتحرك في صدره.. لأول مرة مكنش غل ولا خوف، كان “خجل”. خجل من الراجل الطيب الذي مسامح ومبسوط، وخجل من مريم التي بالرغم من كل اللي عملته، كانت حريصة إن أبوها ميعرفش الحقيقة اللي تكسر قلبه، وتفضل صورته قدام حماه إنه الراجل الذي رجع للحق.

قعد طاهر على السفرة، وبص لعم مرزوق وقال بنبرة هادية ولأول مرة تطلع من قلبه: “تنور يا عمي.. البيت بيتك، وخيرك سابق دايماً.”

مريم رفعت عينها وبصت لطاهر.. النظرة ليلتها كانت مختلفة. مكنتش نظرة التحدي الباردة، كانت نظرة فاحصة، كأنها بتبص لـ حتة أرض كانت بور وبدأت تطلع زرع من جديد.

بعد ما عم مرزوق مشى، والبيت هدي.طاهر كان قاعد في البلكونة بيشرب الشاي وباصص لـ قمر الليالي العربية. مريم دخلت عليه، حطت كوباية مية جنبه، وكانت رايحة تدخل.

طاهر نده عليها بصوت هادي: “مريم..” وقفت عند الباب من غير ما تلتفت: “نعم يا طاهر؟” طاهر سكت لثواني، كأن الكلمة تقيلة على لسانه، بس كان لازم تطلع عشان يفك القفص اللي هو حبس نفسه فيه: “أنا.. أنا متشكر.”

مريم لفت وشها وبصتله باستغراب: “على إيه؟” طاهر بص للأرض وقال: “عشان محدش عرف بموضوع الدفتر الفاضي.. وعشان أبوكي نام وهو راضي عني.. وعشان.. عشان لسه باقية على البيت ده بالرغم من كل اللي عملته.”

مريم وقفت وبصت للنيل البعيد من البلكونة، خدت نفس طويل وقالت: “البيوت مش ورق يا طاهر بنكتب فيه الذي احنا عايزينه ونقطعه لما نزهق.. البيوت لحم ودم وأسرار. أنا مكنتش عايزة أهدك.. أنا كنت عايزة أهد الكدب اللي فيك، عشان نعيش صح.. لو لسه فاضل فيك حتة سليمة، شيلها لـ ابنك ولـ بيتك، واليوم اللي فات.. مات.”

سابت البلكونة ودخلت، بس المرة دي، مرزعتش الباب. سابته موارب.. زي الباب الذي سابه مصطفى لـ عايدة في جامع العزايزة.. باب بيعدي منه النور بعد عتمة طويلة، وطاهر قعد يشرب شاي وهو حاسس إن الحمل الذي على كتافه بدأ يخف، وإن مريم، بالرغم من كل الوجع، كانت هي السند الحقيقي الذي حماه من نفسه.

طاهر فضل باصص للباب الموارب، وكأن النور الذي طالع منه بيغسل وساخة السنين التي عاشها في الكدب والنقص. حس لأول مرة من يوم ما اتجوزوا إنه قادر يتنفس بجد، من غير ما يحضر كدبة جديدة، ومن غير ما يشيل هم “الوش” الذي سيقابل بيه الناس الصبح. الدفتر الفاضي الذي كان خانقه، اتقلب في نظره لصفحة جديدة، بيضا، مفيش فيها سيرة قديمة ولا غل.المركب مشيت، والمرة دي مش بالخوف، لكن بـ “السكوت الذي وراه رضا”.

في سوق الجمعة، طاهر كان واقف وسط تجار القماش الكبار، ومحمود أخوه كان قاعد بيمشي حسابات الدكان. دخل عليهم واحد من قرايبهم من بعيد، وبخبث الصعايدة رمى كلمة: “إيه يا أبا علي؟ سمعنا إن الهانم بقت هي الكل في الكل في البيت، والشور شورتها.. عاد طاهر علوان كلمته تنزل الأرض؟”

محمود أخوه رفع عينه ومستني يشوف طاهر هيثور ويقلب الدنيا زي زمان عشان يثبت رجولته، لكن طاهر ابتسم ابتسامة هادية، أخد نفس طويل وقال بمنتهى الرزانة: “الست الأصيلة يا ولد عمي، اللي تصون غيبتك وتلم بيتك وتستحمل طبعك الحامي، الشور شورتها والراس راسها. ومريم بنت مرزوق شالتني في وقت أنا نفسي كنت بايع فيه نفسي.. فاللي يقول كلمتها تنزل الأرض، يبقى ميعرفش الأصول.”

محمود بصل أخوه بذهول، بس المرة دي مكنش ذهول قرف، كان احترام. طبطب على كتف طاهر وقال بصوت واطي: “عفارم عليك يا ابن أبويا.. كبرت في عيني الليلة.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى