روايات وقصص

مدرسة 2 حكايات رومانى مكرم

“السلام مش هيتحقق لمجرد إننا خمدنا الحريقة يا عاصم.. السلام هيتحقق لما القواعد تتغير بجد. أنت أثبت النهارده إنك راجل وقدرت تقف في الوش، وده خلاني أحترمك أكتر.. بس أنا مش هنسى إننا وصلنا للمرحلة دي بسبب ضعف موقفك في البداية.”

سألها بوجل:

مقالات ذات صلة

“يعني إيه يا نجلاء؟ ناوبة على إيه تظني؟”

قالت بثبات:

تنفس عاصم الصعداء، وشعر كأن جابلاً أزيح عن صدره. رغم الأذى والشرخ الذي حدث في علاقته بأمه، إلا أنه علم أن بيته وكرامته وحق زوجته قد تم صونهم بحزم.

مرت الأسابيع، وعاد الهدوء التدريجي إلى ، ولكن هدوءاً مختلفاً؛ هدوءاً يقف على أرض صلبة من الحدود  المتبادل. ومازن للبحث عن عمل إضافي على نفسه لشراء ، بينما تعلمت الأم  بأن لا تُبنى بكسر إرادة النساء، وأن ابنها رغم بره بها، لن يسمح بخراب بيته.

جلس عاصم في المساء يشرب الشاي بجوار نجلاء وهي تصحح كراسات ، فنظر إليها وقال ابتسامة خفيفة:

“تعرفي يا نجلاء.. أنا اتعلمت الدرس كويس.”

ردت دون أن ترفع عينها عن الكراسة:

“درس إيه يا عاصم؟”

قال بصدق:

“إن الست لما تصون شقاها وتدافع عن بيتها بعقل وقوة، راجل بيعرف يحميها.. والبيت اللي يتأسس على الأصول والحدود، ما أي عاصفة.”

عادت الحياة إلى مجراها الظاهري في عاصم ونجلاء، لكن الشروخ التي أحدثتها العاصفة لم ، بل غاصت تحت السطح لتتحول إلى جمر يتأكل تحت الرماد. استقر النظام المالي الجديد في البيت، وصار عاصم يتعلم كيف يدير نفقاته دقيقة، وعادت نجلاء لتواصل عملها في سنترها التعليمي بثقة أعمق ووجود أقوى، بعدما أثبتت للجميع أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه أو .

لكن التهدئة لم تكن تعني الاستسلام بالنسبة لأم عاصم. التي اعتادت طوال حياتها أن تكون كلمتها هي السيف المسلط على أبنائها، لم تحتمل مرارة . سحب الشكوى من الإدارة التعليمية وخوفها من التبعات القانونية لم يزدها إلا غلاً في الانتقام، لكن هذه المرة قررت نقل من جبهة  والقانون إلى جبهة النفسية .

بدأت  باللعب على الوتر الأكثر لدى عاصم: صلة الرحم وإحساس الذنب. قطعت الاتصال به تماماً، وامتنعت عن الرد على مكالماته الهاتفية. وحينما كان يذهب إلى بيتها محاولاً التودد واستسماحها، كانت تترك الجيران له الباب ليخبروه بأنها “وطريحة بسبب حزنها على ابنها”.

انتشرت الأخبار في العائلة كالنار في الهشيم. بدأت الاتصالات تترادف على عاصم من في الصعيد وفي القاهرة؛ اتصالات توبخه وتصفه بـ “فضل مال زوجته على رضا أمه جبهتها. كان الموقف يضغط على عاصم بشكل يومي، ويجعله يعيش من النفسي .

في إحدى الليالي، عاد عاصم إلى البيت وجهه شاحب وعيناه محاطتان بهالات سوداء. جلس على الأريكة دون أن يخلع حذاءه، وغطى وجهه بيديه. اقتربت منه نجلاء وهي تحمل كوباً من الماء، وقفت أمامه وقالت بنبرة هادئة لكنها فاحصة:

“وبعدين يا عاصم؟ هفضل شايفاك بتموت كل يوم بالبطيء عشان تمثيلية أمك؟”

رفع عاصم رأسه، وكانت نظراته مزيجاً من العتاب والعجز:

“دي مش تمثيلية يا نجلاء.. أمي فعلاً تعبانة، الضغط عندها مش مستقر، والناس كلها بتاكل في وشي. أنتِ مش حاسة بالحمل اللي عليا، أنا حاسس إني مقسوم نصين، نص مع بيتي وعيالي، ونص تحت رجلين أمي اللي خايف وهي غضبانة عليا.”

جلس نجلاء أمامه ورتبت على ركبتيه بصلابة:

“أنا حاسة بيك أكتر من أي حد يا عاصم، بس لازم تفهم الفرق بين الفعلي، وبين استغلال المرض عشان تتلوى إيدك. أمك مش عيانة من الحزن، أمك عيانة لأنها مش قادرة تتقبل إن فشلت، وإنك بقيت راجل ليك كلمة وبيتك له حرمة. لو ضعفت دلوقتي، كل اللي عملناه يتهد، وهنرجع لنقطة الصفر، بس المرة دي هتكون النتيجة البيت بجد.”

لكن القشة التي قصمت ظهر البعير جاءت بعد أسبوع واحد. استغل مازن حالة التوتر، وبدعم من أمه وبتحريض من العم متولي، قرر اتخاذ خطوة لإحراج عاصم ونجلاء فرضاً للأمر الواقع.

في يوم الجمعة، وبينما كانت نجلاء تجهز الغداء وأبناؤها يدرسون في غرفهم، رن جرس الباب بقوة واستمرار. فتح عاصم الباب ليفاجأ بمازن يقف في الممر ومعه خطيبته ووالدها، وحقائب سفر صغيرة!

دخل مازن بدنس ورعونة وقال بصوت عالٍ ليسمع من في البيت:

“ازيك يا عاصم.. معلش جينا على . حمايا أصر ييجي يشوف اللي هنأجرها من نجلاء هانم، وعشان نكتب العقد الابتدائي ونخلص، أصلنا خلاص حددنا ميعاد الفرح البرانية غالية علينا!”

استشاط عاصم غضباً ورعشة تملكته، بينما خرجت نجلاء من المطبخ وهي تمسح يديها بفوطة صغيرة. لم ولم تتراجع، بل مشت بخطوات واثقة ونظرت إلى الضيوف بعيون باردة.

قال والد خطيبة مازن بنبرة فيها :

“أهلاً يا مدام نجلاء.. مازن حكالي عن العرض بتاعك، وإنك هتراعيه في وتعملي له خصم عشان هو أخو الأستاذ عاصم. احنا جينا نشوف الشقة ونقعد نتفق على العقد والتخفيض، ونشوف الشروط اللي تناسبنا.”

“أهلاً بيك يا فندم.. بس واضح إن الأستاذ مازن نسى ينقلكم الصورة صح، أو حب يستغل وجودكم عشان يفرض عليا أمر واقع.”

التفتت نجلاء إلى مازن وقالت بصوت صلب سمع كل من في الصالة:

وقع الكلام كالصاعقة على والد الخطيبة، الذي التفت لمازن بغضب عارم:

“إيه الكلام ده يا مازن؟ أنت جريبنا هنا عشان تتهزق؟ مش قلت لي الشقة مضمونة ومحلولة والمدام مرحبة؟”

تعلثم مازن واحمَرّ وجهه خجلاً وغيظاً، وصرخ في نجلاء:

“أنتِ كدابة! أنتِ بتعملي كدة عشان تذليني وتفضحينا قدام الناس! يا عاصم اتكلم! ساكت ليها ليه؟ شايف مراتك بتعمل إيه في أخوك؟”

هنا، ووسط هذا الموقف المخزي، حدث شيء لم تتوقعه نجلاء ولا مازن.

تقدم عاصم بخطوة ثابتة، ووقف في المنتصف بين أخيه وزوجته. خفتت نبرة العجز من صوته، وحلت محلها قوة رجل أدرك أخيرًا أن كرامته وبيته يُستباحان جهاراً نهاراً.

نظر عاصم في عين مازن وقال بصوت هادئ لكنه :

“نجلاء مش كدابة يا مازن.. أنت اللي كداب وأنا اللي سكت لك كتير. أنت جاي هنا فاكر إنك بتلوي دراعي وتستغل عشان تحرجنا؟ دي ملك مراتي وشقاها، وهي حر تصرف فيها.  عليك بحسنى وزقيت أمك ترفضه ، ودلوقتي جاي تتضايف وتتباكى؟ اتفضل خذ ضيوفك واخرج برة بيتي، وما تعتبش دي تاني إلا لما تتعلم الأصول  لمراتي عن كل كلمة قلتها أنت وأمك!”

ذهل مازن من رد فعل أخيه، وصدم والد الخطيبة الذي أخذ ابنته من يدها وخرج وهو يتمتم بكلمات الغضب والسيطرة، وتبعهما مازن وهو يسب ويهدد مرتفع في السلم.

أُغلق الباب. خيم السكون على .

التفتت نجلاء إلى عاصم، وكانت عيناها تتألقان بنظرة جديدة تماماً؛ نظرة لم تكن موجودة طوال أشهر الأزمة. كانت نظرة تقدير واحتزام حقيقي للرجل الذي اختار أخيراً أن يكون حائط الصد الأول لبيته، ودون أن تنتظر منه إثباتات أخرى.

سار عاصم نحو الكنبة وسقط عليها بتعب، لكن ملامحه كانت شجاعة ومستقرة. اقتربت نجلاء منه وجلست بجواره، وأمسكت بيده بقوة وقالت:

“النهارده بس يا عاصم.. أنا حسيت إن لي راجل يحميني ويحمي البيت ده من أي عاصفة. أنت كبرت في نظري أكتر من أي وقت فات.”

تنفس عاصم بعمق وقال:

“أنا خسرت أمي وأخويا يا نجلاء؟”

ردت نجلاء بثبات ودعم:

“أنت ما خسرتهمش يا عاصم.. أنت ربيتهم على الأصول. أمك وأخوك كانوا فاكرينك ملطشة، ولما يعرفوا إنك بقيت راجل ليك كلمة ومبتسمحش بحد يركبك أو يهين بيتك، هما اللي هيرجعوا يدوروا عليك ويستسمحوك، بس المرة دي بشروطك أنت.. بشروط احترام بيتك ومراتك.

لكن القصة لم تنتهِ هنا. ففي المساء ذاته، ورد اتصال هاتفي غير متوقع على تليفون عاصم. كان المتصل هذه المرة ليس مازن ولا أمه، بل عمه الأكبر “الحج رزق”، كبر العائلة المقيم في الصعيد، والذي كانت أمه تخشى كلمته وتحسب لها ألف حساب!

قال العم رزق بصوت رخيم وصارم عبر الهاتف:

“يا عاصم يا ابني.. الكلام اللي وصلني من القاهرة ده ما يسكتش عليه. أمك ومازن وعمك متولي خربوا الدنيا وعاملين زيطة في العيلة، وأنا مسافر للقاهرة بكرة الصبح مخصوص، وجايب معايا كبار العيلة عشان نلم المولد ده ونحط نقط على الحروف.. قل لمراتك نجلاء تجهز حالها، القعدة بكرة في بيتك أنت، والكل هيسمع والكل هيخضع للحق !”

أغلق عاصم الخط ونظر إلى نجلاء، التي ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:

“كويس.. كده اللعب هيتحول من الصبيانية الكبيرة.. وخلي كبار العيلة يجوا، الحق ما حد.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى