
كل واحد بدأ يفكر في نفس الشخص. لكن قبل ما نقدر نقول اسمه، شريط التسجيل الموجود في الصندوق اشتغل فجأة. صوت أبويا خرج من الجهاز: “لو سمعتوا التسجيل ده، يبقى هو عرف إن الدليل اتكشف. متروحوش ورا عبد الصمد… دوروا على الشخص اللي كان بيزورني كل ليلة قبل موتي.” خالي قال: “مين كان بيزورك كل ليلة؟” أمي فجأة شهقت، وحطت إيدها على بوقها. قلت لها: “إنتي عارفة؟” قالت وهي بتبكي: “أيوه… كان بييجي واحد كل ليلة قبل وفاة أبوكي… وكنت فاكرة إنه صاحبه.” سألتها: “مين؟” لكنها قبل ما تقول الاسم، سمعنا صوت عربية بتقف قدام المحل. الضابط أشار لنا نستخبى. الباب اتفتح، ودخل رجل بهدوء. أول ما شفته، حسيت إن نفسي انقطع. كان الشخص اللي أمي كانت هتقول اسمه. وقف وسط المحل، وبص ناحية المكان اللي إحنا مستخبيين فيه، وقال بصوت هادي:
“عارف إنكم هنا.” بعدها ابتسم وقال: “وأنا مش جاي أقتل حد… أنا جاي آخد الدليل.” الضابط خرج وصوب ناحيته، لكن الرجل رفع إيده وقال: “لو قبضت عليا، مش هتشوفوا أخوها تاني.” أمي صرخت: “ابني عندك؟!” الرجل ابتسم وقال: “لسه فاكرين إن الولد في أمان؟” ثم أخرج هاتفه، وفتح فيديو مباشر. ظهر أخويا في مكان مجهول، واقف جنب شخص لابس قناع. الرجل قال: “هاتوا الدليل… وأنا أرجعلكم الولد.” الضابط حاول يشتري وقت، لكن الرجل ضغط على زر في الهاتف، وظهر شخص مقنع بجانب أخويا، ثم رفع ورقة عليها صورة أبويا. وقال: “آخر فرصة… وإلا هننفذ اللي محمود كان خايف منه.” وقبل ما يقفل المكالمة، انكشف جزء صغير من وجه الشخص المقنع. أنا ركزت فيه، وفجأة صرخت:
“أنا أعرفه!” كلهم بصوا لي. قلت وأنا بترعش: “ده الشخص اللي كان بييجي بيتنا كل جمعة مع عمي عبد الصمد… الشخص اللي كان دايمًا بيحط الأكياس في المطبخ.” خالي اتجمد وقال: “يعني كان موجود من أول يوم؟” جابر رد: “أيوه… لأنه كان بيراقب العيلة كلها.” الضابط قال: “يبقى هنرجع للمكان اللي أخد منه الصورة.” لكن فجأة جهاز التسجيل اشتغل مرة تانية، وطلع صوت أبويا: “ولو وصلتم للحقيقة، افتكروا إن الشخص المقنع مش الرأس… هو مجرد حارس.” سكت التسجيل لحظة، وبعدها ظهر صوت امرأة لأول مرة، صوت غريب وهادئ، وقال: “محمود كان عارف إني هاجي بعده.” كلنا بصينا لبعض. أمي قالت: “مين الست دي؟” وجابر وشه اصفر وقال: “لا… مستحيل.” سألته: “إنت تعرف صوتها؟” هز راسه وقال: “أيوه.” الضابط قرب منه: “مين؟” جابر بصلي، وبعدها قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: “دي مرات أبوكي الأولى… والناس كلها كانت فاكرة إنها ماتت من أكتر من عشر سنين.”
فضلنا واقفين مكاننا كأن الزمن وقف، وكل واحد فينا بيبص للتاني ومش قادر يصدق اللي سمعه. أمي كانت أول واحدة تتكلم، وقالت بصوت مرتعش: “مراته الأولى؟! إنت بتقول إيه يا جابر؟ محمود ماكانش متجوز قبل ما يتجوزني!” جابر ما ردش عليها، فضل باصص للأرض كأنه خايف يقول الحقيقة. الضابط قرب منه وقال بحزم: “اتكلم يا جابر. مين الست دي؟” جابر رفع عينه وقال: “اسمها نوال… وكانت أول حب في حياة محمود.” أمي حطت إيدها على قلبها وقالت: “بس نوال ماتت… أنا شفت شهادة الوفاة!” جابر هز راسه وقال: “شهادة كانت مزورة.” خالي أحمد فيه: “إنت عايز تقول إن أخويا كان عايش معاها كل الفترة دي؟!” جابر رد بسرعة: “لأ. محمود اتجوز سعاد بعدها، ونوال اختفت تمامًا.



