
أبو مدحت نطق ببرود:
— الخير إنك تعقل. إنت حبست كبيتنا، وحبست ابني، وأخدت فلوس المزرعة وشايالها مع مراتك. إحنا لحد الوكت ده بنتعامل معاك كابن عيلة ونسب. بس نسوانا في القسم ده حاجة مش هتنزل من زورنا أبداً. قدامك 24 ساعة يا أحمد… يا إما تنزل النياية بكرة الصبح وتمضي التنازل وتخرج سناء وسمر وتدفع كفالة مدحت من الفلوس اللي معاك… يا إما بكرة زي الوكت ده، مش هتدور على دهب مراتك… هتدور على مراتك نفسها!
التليفون اتعلق في وشنا!
الصوت كان صدى في الأوضة الهادية. أنا جمدت في مكاني، المية وقعت من إيدي وتكسرت على الأرض.
أحمد قام وقف على حيله بسرعة، وشه اسود من الغضب، ومسك التليفون وكان هيحدفه في الحيطة، بس مسك نفسه.
بصلي وهو بينهج وصوته طالع زي النار:
— بتهددني بمراتي يا ابن…؟ والله العظيم لأوريك.
أحمد مسك تليفونه واتصل بالأستاذة نيفين، وقال جملة واحدة بس هزت الشقة:
— أستاذة نيفين… جهزي أوراق القضية كلها. إحنا مش هنستنى الجلسة… إحنا هنرفع قضايا تانية، وهنبلغ الجهات المختصة بالتسجيل والتهديد ده الليلة!
الليلة دي، الليل ما مرش علينـا. كان أطول ليلة في حياتي.
أحمد ما غمضش عينيه لحظة واحدة. كان رايح جاي في الصالة بتاعة بيت أختي، ماسك تليفونه ومش بيسيبه. التهديد بتاع أبو مدحت صابني برعب غير طبيعي، كل حركة برة الشارع، كل صوت جزمة على السلم كان بيخلي قلبي يقف وأتخيل إنهم وصلوا للعنوان ونازلين يكسروا الباب علينـا.
على الساعة أربعة الفجر، الأستاذة نيفين المحامية اتصلت بأحمد.
فتحت السبيكر وصوتها كان مشحون بالجدية والسرعة:
— أستاذ أحمد… التسجيل بتاع مكالمة أبو مدحت أنا فرغته وأرفقته في محضر رسمي عاجل بإرهاب وتهديد في النيابة الكلية! التهديد بإنهم يمسوا الزوجة نقل القضية لقضية أمن عام وتشكيل عصابي!
أحمد بصلي بنظرة كلها إصرار وقالها:
— وإيه الخطوة الجاية يا أستاذة؟ الرجالة دول مش هيرتدعوا بالكلام ورسائل الواتساب، دول عصابات، وأبو مدحت ده بياع كلام!
ردت الأستاذة نيفين بصوت ثاقب:
— رئيس المباحث أخد أومر مباشرة بالتحرك. النيابة الكلية أصدرت قرار بضبط وإحضار أبو مدحت وإخواته الأربعة بتهمة إدارة تشكيل عصابي والتهديد والابتزاز! القوة الأمنية نازلة دلوقتي تداهم بيوتهم في المنطقة وعمارة مدحت! بس الأهم يا أحمد… الجلسة بتاعة تجديد الحبس لأمك وأختك سمر الصبح الساعة عشره، والمرة دي النيابة طلبت حضورك الشخصي وحضور زوجتك للإدلاء بأقوالكم في التهديد الجديد!
قمت وقفت وأنا برتعش وقلت:
— نروح النيابة تاني يا أحمد؟! دول واقفين برة وممكن يترصدوا لينا في سكة المحكمة!
أحمد قرب مني، مسك إيدي الأثنين وضغط عليهم بقوة عشان يثبتني، وبص في عيني بجمود:
— مش هيهوبوا ناحيتنا يا روضة… اللي بيستخبى ورا التهديدات بيبقى جبان. والنهاردة هيدفعوا تمن كل كلمة وكل لحظة رعب عشتيها من يوم ما أمي مدّت إيدها على دهب أمك!
على الساعة تمانية الصبح، ما نزلناش ناخد تاكسي من الشارع زي المرة اللي فاتت.
الأستاذة نيفين بعتت لنا عربية خاصة حراسة تابعة لمكتبها، ونزلنا تحت حراسة مشددة. الشوارع كانت زحمة، بس أنا كنت حاسة إن العيون كلها بتراقبنا. أول ما وصلنا مجمع المحاكم، كان المنظر مختلف تماماً عن امبارح.
المرة دي، سيارات الشرطة كانت مالية الميدان قدام المحكمة.
أول ما نزلنا من العربية، شفت المفاجأة اللي أثلجت صدري وخلت دموعي تنزل…
أبو مدحت وإخواته الأربعة كانوا واقفين على سلالم المحكمة بالكلبشات!
القوة الأمنية كانت داهمت بيوتهم الفجر، وجابوهم متكلبشين ومربوطين في بعض بالحديد بعد التهديد المكتوب والمكالمة المسجلة!
أحمد وقف على السلالم، وبص لأبو مدحت اللي كان وشه أسود، وكبريائه اتمسح بالأرض وهو مقيد بالحديد قدام الناس والجيران.
أبو مدحت بص لأحمد بعيون مليانة غل وهو بيحاول يرفع رأسه، وقال بصوت مبحوح:
— فاكر إنك كسبت يا أحمد؟ حبست العيلة كلها؟ حبست النسوان والرجالة؟!
أحمد قرب منه خطوة واحدة، وبص في عينيه ببرود شديد وقاله بصوت واطي:
— إنت اللي اخترت طريقة اللعب يا حاج… هددتني بمراتي، وافتكرت إنك فوق القانون. اللي يمد إيده على حرمة بيتي أو يهددها، أقطعهاله بالقانون. إنت وولادك هتنوروا القسم جنب مدحت وجنب أمي وأختي، عشان تتعلموا يعني إيه احترام بيوت الناس!
جوة القاعة، الحراس جابوا الحاجة سناء وأخت جوزه سمر من التخشيبة التحتانية.
أول ما الحاجة سناء دخلت وشافت أبو مدحت وإخواته متكلبشين، ووراهم أحمد واقف زي الجبل وبجنبه أنا والشنطة اللي فيها الدهب… انهارت تماماً.
سقَطت على الركبتين على الأرض الخشب، وبقت تبكي بصوت عالي وهي بتبص لأحمد وترفع إيدها بالرجاء:
— يا أحمد! يا بني يا حبيبي! انقذنا يا أحمد… إحنا بنتمسح في التراب يا بني! الشرف راح والعيلة اتقفلت في الكلابشات! عشان خاطر أباك الله يرحمه يا أحمد اتنزل وسيبنا نخرج من المصيبة دي!
سمر أخته كانت بتصرخ وهي بتلطم على خدودها:
— سامحنا يا أحمد! والنعمة الشريفة ما كنا نعرف إن الموضوع هيوصل لهنا! مدحت محبوس، وأبوه وإخواته محبوسين، وأمي بتموت جوة! حقك علينا يا أحمد، دهب مراتك رجع والفلوس معاها بس انقذنا!
القاعة كلها كانت بتبص للمشهد بذهول. العيلة اللي كانت جاية قبل يومين تكسر باب بيتنا وتهدد، بقت مقيدة وبتتوسل قدام القاضي والناس!
أنا بصيت للحاجة سناء، وحسيت بغصة في قلبي. المرأة اللي دخلت أوضة نومي وقالتلي حاجات تضايق، وباعت دهب أمي الميتة… هي هي اللي واقفة دلوقتي بتتوسل وتتمنى الأرض تنشق وتبلعها من الفضيحة!
وكيل النيابة دخل، والمحامي فاروق بتاع العيلة كان واقف وشه أصفر ومش قادر ينطق كلمة واحدة، لأن كل كروته اتحرقت ومسألة التهديد ثبتت بالتسجيلات والتحريات.
وكيل النيابة ضرب بالمطرقة على المنصة، وبص للجميع وقال بلهجة حاسمة وقاسية:
— بعد الاطلاع على محضر التهديد والابتزاز المرفق بالصوت والصورة، وتفريغ المكالمات، وشهادة القوة الأمنية، وتكرار الاعتداء… قررت النيابة العامة:
أولاً: تثبيت قرار الحبس الاحتياطي 15 يوماً لجميع المتهمين، مع مراعاة تجديد الحبس تلقائياً!
ثانياً: ضم قضية التهديد والابتزاز الجسيم إلى قضية الاقتحام والسرقة وإحالة الملف كاملاً إلى المحكمة المختصة!
ثالثاً: توفير حراسة أمنية مشددة للمجني عليه وزوجته!
المطرقة نزلت: “رُفعت الجلسة!”
الصراخ والعويل ضرب القاعة! العساكر سحبوا الحاجة سناء وسمر وأبو مدحت وولاده بالحديد، وهما بيتسحلوا لبرة القفص وسط دموع الحسرة والندم. الحاجة سناء كانت بتبص لأحمد لأخر لحظة وهي بتبكي وتقول:
— سامحني يا بني… سامحني يا أحمد!
أحمد وقف في نص القاعة، تنفس بعمق، وبص للسقف كأنه بيزيح جبل ثقيل كان كاتم على صدره لسنين.
لف وبصلي، مسك العلبة القطيفة من الشنطة، وحطها في إيدي قدام الكل، وقال بصوت هز القاعة:
— الحق ظهر، واللي يفتكر إن مال اليتيم وذكريات الميتين ملهاش صاحب، يتداس تحت رجل القانون.
خرجنا من المحكمة مرفوعين الرأس، الحراسة كانت معانا، والشر اللي كان بيحاوطنا بدأ يتهاوى حتة حتة… بس كانت فاضلة خطوة واحدة وأخيرة: الجلسة النطق بالحكم في القضية، واللي كانت هتحسم المصير النهائي لأمي وأخته والعيلة كلها!
جاء يوم الجلسة النهائية أمام المحكمة، والجو في القاعة كان كأنه الموقف الأعظم.
الهدوء كان يسود المكان، والأقفاص الحديدية مكتظة بالمتهمين: الحاجة سناء، سمر، مدحت، وأبوه وإخواته. الجميع كانوا يرتدون ملابس السجن البيضاء، الوجوه شاحبة، والأنظار كسيرة لا تستطيع النظر في عين أحمد أو عيني.
دخلت هيئة المحكمة الموقرة، وصمتت القاعة تماماً. فتح رئيس المحكمة أوراق القضية، وبدأ يقرأ الحيثيات بنبرة صوت تقشعر لها الأبدان:
«بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع أداء الشهود، وتفريغ تسجيلات النجدة وكاميرات المراقبة، وتفريغ التسجيلات الصوتية… تبين للمحكمة بشكل لا يدع مجالاً للشك أن المتهمين قد تجردوا من أواصر الرحمة والقرابة، واستباحوا حرمة البيوت، واستعملوا القوة والترهيب والسرقة ضد المجني عليهم. وإن القرابة لا تعفي من العقاب، والأمومة ليست ترخيصاً للاعتداء على الحقوق وسلب الأمانات».
ضرب رئيس المحكمة بالمطرقة، ونطق بالحكم الذي أثلج القلوب:
— حَكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بالسجن لمدة خمس سنوات على المتهم مدحت وباقي المجموعات بتهم السطو والتهديد والابتزاز.
ثانياً: بالسجن لمدة ثلاث سنوات على المتهمة الأولى (سناء) والمتهمة الثانية (سمر) بتهم السرقة واقتحام مسكن والتعدي!
ثالثاً: إلزام المتهمين بالمصاريف الجنائية وتعويض مدني مؤقت للمجني عليها!
انفجر الصراخ والعويل داخل القفص، سقطت الحاجة سناء مغشياً عليها، وسمر كانت تصرخ وتضرب رأسها بالحديد، بينما كان مدحت وعائلته ينظرون بذهول إلى مصيرهم المحتوم.
خرجنا من القاعة، وأحمد يمسك يدي بثبات. تنفسنا هواء الحرية والكرامة الشديد. نظر أحمد إلى علبة القطيفة في يدي، ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
— حقك وحق أمك الله يرحمها رجع بالقانون يا روضة… ومفيش مخلوق هيتجرا يظلمك بعد النهاردة.
الحكمة:
إن «الأصول» ليست كلمة تُقال لتغطية الباطل، ولا هي رخصة تُعطى للأقارب لاستباحة الحقوق وسرقة الأمانات.
الست الأصيلة لا تُقاس بمدى صمتها عن الظلم، ولا بتركها لكرامتها وذكريات أحبائها تُباع وتُشترى لتغطية طمع الآخرين وطيشهم. والابن البار الحقيقي هو من يفرق بين طاعة الوالدين بالمعروف، وبين السكوت عن سرقتهم، فالرجولة والشهامة هي أن تقف كالسد المنيع تحمي بيتك وزوجتك، وترد الحق لأهله مهما كان الثمن، لأن المال يمكن تعويضه… أما الكرامة وحرمة البيوت إذا أُهينت، فلا تُسترد أبداً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




