
بصيت للشنطة اللي في إيدي وعيني بتلمع بإصرار عمر ما حسيته: “لو حطيتهم في البنك هعيش خايفة طول عمري أصرف منهم.. الفلوس دي تمن قهرتي، ولازم تكبر وتخليني أقف على رجلي بجد.”
قررت أغامر بكل قرش معايا، نزلت لفيت وسألت وأجرت محل في منطقة تجارية حية، وبدأت أجهز لمشروع أتيليه وتأجير وبيع فساتين أفراح وسواريهات. الفستان اللي كان سبب في كسريتي وضحكوا عليا بيه وأنا صغيرة، خليته هو مشروعي وسلاحي اللي هبني بيه مستقبلي.
-
بقلم امانى السيدمنذ 20 دقيقة
-
غرور 2منذ 4 ساعات
-
غرور 1منذ 4 ساعات
-
بنتى طمعانه فى خيرى 2منذ 11 ساعة
بدأت اشتغل ليل ونهار بإيدي، اتعلمت كل تفصيلة في الصنعة، واشتريت أحسن خامات، وكل ما كنت أتعب افتكر كسرة نفسي في بيت حماتي، فأقوم وأعافر أكتر. مكنتش مجرد تجارة، كانت معركة بينت فيها للعالم كله ولنفسي إن البنت الصغيرة اللي اشتروها برخص التراب، قادرة تبقى سيدة أعمال ناجحة وليها كيان واسم يتهزله السوق.
مرت سنتين، والأتيليه الصغير بقى واحد من أكبر وأشهر محلات الفساتين في المنطقة كلها، وبقى اسمي معروف وسط عرايس البلد وبيجولي بالاسم. ملامحي اتغيرت، لبسي بقى شيك، ونظرة الانكسار والضعف اتمسحت تماماً وحل مكانها هيبة وشموخ يخلوا أي حد يعملي ألف حساب قبل ما ينطق بكلمة.
في يوم، كنت واقفة وسط المحل براجع أحدث كولكشن فساتين وصلت، وفجأة الباب اتفتح ودخلت حماتي.. أيوا، نفس الست اللي كانت بتصحيني من الفجر تزعق وتهين فيا، ووراها سلايفي الاتنين وطليقي داخل وراهم بخطوات مترددة وعينه في الأرض. وشوشهم كانت باهتة، ولبسهم متبهدل، وحالهم اتشقلب بعد الفضيحة اللي طالتهم وخسارتهم للفلوس اللي دفعوهالي تعويض.
أول ما عيني جت في عين حماتي، وقفت مكاني مصلوبة الطول وبصيتلهم ببرود تام. حماتي قربت مني بابتسامة صفرا مرسومة بالعافية، وحاولت تاخدني بالحضن وهي بتقول بصوت ناعم مسمعتوش منها في حياتي: “يا ألف نهار أبيض! قمر يا بنتي والله ما عرفتك، الستر باين عليكي وخيرك مالي المكان.. إحنا ملناش بركة إلا انتي يا أصيلة.”
رجعت خطوة لورا وربعت إيدي بجمود قطّع كلامها: “خير يا ست؟ جاية تشتري فستان ولا داخلة المحل بالغلط؟”
طليقي قرب ووشه أحمر من الإحراج، صوته كان بيترعش وهو بيحاول يمسك إيدي وقال: “إحنا جايين نصلح كل حاجة.. والله العظيم ندمت على كل دقيقة زعلتك فيها، من يوم ما مشيتي والبيت خرب ومشوفتش يوم عدل، أنا مستعد أكتبلك كل اللي تطلبيه ونسجل رسمي ونعملك فرح يتهزله البلد، بس ارجعيلي، مفيش واحدة ملت عيني غيرك.”
وسلايفي بدأوا يرموا كلام نفاق: “حقك علينا يا حبيبتي، شيطان ودخل بينا، ده انتي أختنا وسيدتنا ومن يوم ما سبتينا وإحنا حاسين بالذنب!”
بصيت ليهم كلهم بنظرة احتقار خلت الضحكة تهرب من على وشوشهم، وقولت بصوت واثق سمعه كل العمال والزباين في المحل: “شيطان إيه ونفاق إيه؟! انتوا جايين دلوقتي عشان شوفتوا العيلة اللي دستوا عليها بقت صاحبة مال واسم؟ جايين تطمعوا في قرشين بعد ما كنتوا بتعايروني بلقمتي؟”
بصيت لطليقي من فوق لتحت وقولتله بابتسامة سخرية: “فرح؟ ومأذون؟ متأخر سنتين يا شاطر.. الفستان الأبيض اللي كنت هتموت وتذلني بيه، بقيت ببيعه لناس تفهم قيمته.. وانت وأهلك متسووش عندي تمن طرحة في المحل ده.”
شاورت للأمن اللي واقف على الباب وقولت بصرامة: “خرج الناس دي برة، ومش عايزة أشوف وشهم بيعتب باب المكان هنا تاني.”
طردتهم قدام الكل، ووقفت أتفرج عليهم وهما خارجين يجروا وراهم خيبتهم وعارهم، ساعتها بس حسيت إن روحي رجعتلي بالكامل، وعرفت إن أحسن انتقام مش الأذى، أحسن انتقام إنك تنجح لحد ما يرجعولك راكعين وميطولوش حتى نظرة من عينك.
بعد ما الأمن طردهم برة المحل، وقفت أتابعهم من ورا الواجهة الزجاج الكبيرة. كانوا واقفين في الشارع بيتخانقوا مع بعض، حماتي بتزعق لابنها وسلايفي بيبصوله بغيظ ولوم، وكل واحد فيهم بيرمي الخيبة على التاني. المنظر ده زمان كان ممكن يوجعني، بس اللحظة دي مكنش جواه غير إحساس واحد: الشفقة على ناس كل مقياسهم في الدنيا هو المصلحة والقرش.
رجعت لمكتبي جوة، قعدت على الكرسي وأنا باخد نفسي بهدوء. بصيت للشهادات وفواتير الشغل والتصميمات اللي مالية المكتب، وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه بشنطة هدوم قديمة ومكنش معايا تمن تذكرة أتوبيس. الدنيا دارت، والضعيفة اللي كانت بتستخبى في ركن الأوضة عشان متهانش، بقت سيدة أعمال ليها شنة ورنة والكل بيعملها حساب.
الباب خبط، ودخلت “أم بطرس” وهي شايابلي فنجان القهوة اللي متعودة تعملهولي بإيديها، ابتسمت وقالتلي بحنية: “شوفتهم وهما طالعين زي الفراخ المبلولة.. قلبك ارتاح يا بنتي؟”
بصيتلها وابتسمت ابتسامة صافية وقولتلها: “ارتاح من زمان يا خالتي، بس النهاردة حسيت إن الصفحة اتقفلت بجد ومبقاش ليها وجود في حياتي.. مش شايلة منهم غل، بس عمري ما هسمح لحد يرجعني خطوة واحدة لورا.”
قررت بعدها إني أوسع مشروعي، مكنش طموحي يقف عند الأتيليه بس؛ فتحت خط إنتاج لتصميم فساتين الزفاف وبقيت بشغل معايا بنات كتير مروا بظروف صعبة، بنات اتكسروا أو اتظلموا، عشان أعلمهم صنعة تخليهم يقفوا على رجليهم وميتحوجوش لمخلوق ولا يتذلوا عشان لقمة عيش أو حماية مزيفة.
أما أبويا، فكان بيحاول من وقت للتاني يبعت وسايط وناس عشان أرجع أزوره وأصرف عليه، لكن كنت بكتفي إني أبعتله مبلغ شهري يضمنله أكل وعلاج من غير ما أشوف وشه.. مكنتش بعامله بأصله، كنت بعامله بأصلي أنا، بس الحدود اللي بنيتها بيني وبين الماضي بقت حديد ميتكسرش.
بقيت كل ما أدخل المحل وأشوف عروسة داخلة تختار فستان فرحها، أبتسم وأفكر في نفسي؛ الفستان مش مجرد قماش وطرحة بتفرح بيهم البنت، القيمة الحقيقية هي كرامتها وقوتها، وإنها تدخل أي بيت وهي مصلوبة الطول وليها كيان.. والدرس اللي دفعته من عمري، طلع هو أعظم درس بنى الست اللي أنا عليها النهاردة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







