
الدم غلي في عروقي، وحسيت بنار قايدة في صدري، صرخت فيها: “أنا شريكك في كل مليم ومفيش حاجة دخلتيها إلا بمجهودي وتخطيطي، إنتي مش جايباني من الشارع عشان تكلميني كده!”
نورهان متهزتش، بالعكس، برودها زاد، وابتسمت ابتسامة خبيثة تجمّد الدم. طلعت سيجارة وولعتها، ورمت قدامي على التربيزة ورقة رسمية مختومة وقالتلي بهدوء مرعب:
“شريك مين يا أحمد؟ إنت ماضيلّي بتوكيل عام وإدارة لكل أصول الشركة وحساباتها من يوم ما اتفقنا على صفقة الفيلا.. والورقة دي إخطار بعزلك من كل مناصبك وتجميد توقيعك. يعني بكلمة واحدة مني، ترجع حارتكم بالهدوم اللي عليك، ومن غير حتى القرشين اللي كنا رميناهم للست بتاعتك زمان.”
الصدمة شلتني للمرة التانية، بس المرة دي السكينة كانت في ضهري أنا. بصيت للورقة وبصيت لوشها، لقيت نفسي قدام وحش أنا اللي بنيته وغذيته بظلمي وكسرتي لفاطمة.
في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدى قدام عيني: تضحيات فاطمة، دهبها اللي راح، مكنة الخياطة اللي باعتها عشان أبويا، وأنا اللي بعت ده كله عشان شوية مظاهر وسراب. الدنيا اسودت في وشي، ولقيت نفسي خارج من الفيلا تايه في شوارع التجمع في نص الليل، ممعاييش غير الموبايل ومفتاح عربية مش بتاعتي، وصوت فاطمة بيصرخ جوا عقلي زي الآذان: “القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.”
الدايرة لفت بالكامل، والوجع اللي زرعته بإيدي باستهتار، رجع يحصد روحي وكرامتي لحد آخر نفس.
مرت شهور كأنها سنين، ولقيت نفسي على الحديدة، كل اللي عملته في الغربة راح في قواضي ومحاكم خسرانة قدام نورهان ونفوذها ومحاميها الكبار. نورهان مجرد ما ضمنت كل العقود والتوكيلات، رفعت عليا قضية طرد من الفيلا، ورمت حاجتي كلها في الشارع ببرود، زي ما عملت زمان بالظبط مع فاطمة، بس المرة دي مكنش في حتى رزمة فلوس تترمي تحت رجلي.
بقيت مكسور، عاطل، وعايش في أوضة فوق سطح عمارة قديمة في أطراف القاهرة، بهرب من عيون الناس ومن نفسي. مكنش فاضل في قلبي غير حاجة واحدة بس بتديني أمل إني أتنفس: إني أرجع لفاطمة، أركع تحت رجليها، أطلب منها تسامحني حتى لو مش هترجعلي، بس أسمع كلمة واحدة تطفي النار اللي بتاكل في صدري.
جمعت شتات نفسي، لابس قميص قديم مبهدل، وركبت المواصلات لحد الحارة الشعبية القديمة. كانت رجلي بتترعش مع كل خطوة بقرب بيها من الشارع. الشارع مكنش اتغير، بس لما دخلت، مشيت مطأطأ الراس عشان محدش من الجيران يلمحني ويفكرني باليوم المشؤوم.
وقفت قدام باب العمارة، طلعت السلم بخطوات تقيلة ومكسورة، وصلت لنفس الباب الخشب القديم. رفعت إيدي اللي كانت بترتعش زي ورقة شجر في ريح، وخبطت تلات خبطات واطيين.
ثواني والباب اتفتح..
بس المشهد اللي شوفته شل حركتي وجمّد الدم في عروقي.
فاطمة كانت واقفة قدامي، بس مكنتش فاطمة المكسورة الدبلانة اللي سيبتها بتعيط على العتبة. كانت لابسة فستان هادي وأنيق جداً، وشها منور ومرتاح ومليان هيبة ورضا، وحواليها عينات قماش حرير وأتواب متفصلة بذوق عالي، والشقة من جوة باين إنها اتجددت وبقت ورشة ومقر شغل مليان حركة وبنات بيشتغلوا على ماكينات حديثة.
فاطمة بصتلي.. مكنش في عينيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت بتبصلي بنظرة خالية تماماً، كأنها بتبص لحاجة متسواش تلتفت ليها.
لساني نطق بصوت مبحوح ومخنوق بالدموع:
“فاطمة.. أنا اتدمرت، الدنيا دارت عليا وخدت كل اللي ورايا وقدامي، ونورهان رمتني في الشارع.. أنا جيت عشان تسامحيني، أبوس إيدك اديني فرصة واحدة أصلح اللي كسرته.”
فاطمة وقفت مكانها بثبات جبل، متهزتش منها شعرة، وابتسمت ابتسامة هادية كلها عزة نفس خلتني أحس إني ذرة تراب قدامها، وقالت بصوت نقي وقوي:
“تسامحك مين يا أحمد؟ إنت مش جيت هنا زمان وقولتلي ملكيش قعاد هنا وخدي هدومك وامشي؟.. أنا مخدتش هدومي بس، أنا خدت كرامتي وشقايا وعملت بيهم اسم وشغل ربنا باركلي فيه وفتحها عليا من وسع، بعد ما شيلت أهلك وأبوك اللي مات وهو بيدعيلي وبيتبرى منك.”
بلعت ريقي بصعوبة ونزلت دموعي وأنا بحاول أقرب: “فاطمة، أرجوكي…”
قاطعتني بحركة إيد حاسمة، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس، وحطتها بهدوء على التربيزة اللي جنب الباب، وبصتلي بمنتهى الكبرياء:
“القرش اللي كان عميك زمان، مبقاش يلزمني منه مليم.. خد دول يمكن ينفعوك في أكل عيشك، إحسان لوجه الله عشان عيش وملح زمان اللي هان عليك.. والباب ده اتقفل من يوم ما نورهان هانم ضحكت، ومش هيتفتح لواحد رخيص باع أصله.”
وقبل ما أرد أو أنطق بحرف، قفلت الباب بهدوء ومن غير عصبية، وسمعت صوت المزلاج وهو بينزل مكانه للمرة الأخيرة..
وقفت على السلم في الضلمة، باصص للفلوس اللي ملمستهاش، وعرفت إن العدالة مش بس إنك تخسر فلوسك، العدالة الحقيقية إنك تشوف اللي ظلمته في أعلى مكان، وإنت عاجز حتى إنك ترفع عينك في عينه.
ضربة فاطمة كانت القاضية لروحي، بس القدر مكنش لسه خلص حسابه مع نورهان اللي شافت نفسها على خلق الله.
الغرور عماها تماماً بعد ما عزلتني واستولت على كل أصول الشركة، وافتكرت إنها لوحدها قادرة تدير مشروع استثماري ضخم بالحجم ده في التجمع. دخلت في مضاربات عقارية طائشة ومضت شيكات بنكية بملايين على بياض من غير دراسة جدوى حقيقية ولا استشارة فنية، ومكنتش تعرف إن السوق مش بيرحم، وإن العلاقات اللي كانت بتتباهى بيها كانت مجرد مصالح وقتية بتنتهي مع أول هزة.
المقاولين بدأوا يهربوا بسبب تأخر السيولة، والشريك الخليجي اللي كانت معتمدة على ضخ فلوسه فسخ العقد فجأة بسبب مخالفات هندسية وتراخيص مضروبة كانت نورهان استرخصت فيها عشان تزود أرباحها. البنوك فتحت دفاترها، والديون اتراكمت زي الجبل فوق دماغها في ظرف أسابيع قليلة.
في يوم، كنت واقف في كشك جرايد قريب من المحكمة وأنا بدور على أي محامي يقبل يرفعلي استئناف بالتقسيط، وفجأة لمحت صورة نورهان في صدر الصفحة الأولى من ملحق الحوادث والاقتصاد: “التحفظ على أموال سيدة أعمال شهيرة وهروبها بعد انهيار مشروعها العقاري وإصدار أحكام غيابية ضدها في قضايا شيكات ونصب”.
مسكت الجورنال بإيدين بتترعش.. الفيلا اللي اتعالت بيها اتحجز عليها، والبراندات والمظاهر الكدابة اتبخرت، والست اللي كانت بتمشي تدوس على كرامة الناس بكعبها العالي بقت مطاردة ومطلوبة للعدالة في كل كمين.
في اللحظة دي بالذات، فهمت معنى “يمهل ولا يهمل”. نورهان اللي اشترتني بفلوسها واستكترت على فاطمة حق السنين، خسرت كل مليم جمعته بالحرام والغرور. وإحنا الاتنين اللي ظلمنا وتكبرنا انتهينا في قاع الهوان، بينما فاطمة، اللي اتمسكت بربها وبشرفها، فضلت عالية في مكان ميوصلوش غير ولاد الأصول.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
-
بقلم امانى السيدمنذ 19 دقيقة
-
غرور 1منذ 4 ساعات
-
عقد عرفىمنذ 5 ساعات
-
بنتى طمعانه فى خيرى 2منذ 11 ساعة








