
قالت شيماء وهي تمسح دموعها:
* أنا آسفة يا بسنت.. أنا كنت جزء من الغباء ده.
-
جوازتى من بنت عمتى 1منذ 3 دقائق
-
متجوز اتنين 3منذ 3 ساعات
-
متجوز اتنين 2منذ 3 ساعات
-
متجوز اتنين 1منذ 4 ساعات
* مش وقته يا شيماء.. إحنا لازم نعرف إيه اللي بيحصل بره.
أخرجت هاتفها، لكنه كان مغلقاً. نظرت إلي بأسى:
* البطارية خلصت.
سمعت صوتاً في الخارج.. وقع أقدام ثقيلة، وصوت ضحكة خبيثة مألوفة جداً.. ضحكة مدحت.
* عارف إنكم هنا.. ريحة الخوف بتطلع من الحيطان يا بسنت! اطلعي بالذوق، أحسن ما أحرق المخزن باللي فيه!
تجمدت في مكاني. الرعب لم يعد شعوراً، بل أصبح واقعاً نعيشه. نظرت إلى شيماء، ثم إلى الباب الحديدي الذي بدأ يهتز بقوة تحت ضربات أقدامهم. لم يعد هناك مهرب، ولم يعد هناك خيار سوى المواجهة الأخيرة.
رجفت الشباك القديمة للمخزن مع ضربة رجل مدحت، التراب بدأ ينزل من السقف زي المطر، ورائحة الصدأ والرطوبة اختلطت بصرخات الخوف اللي كانت محبوسة في حلقي. شيماء رجعت لورا خطوتين، ضهرها لزق في حيطة الطوب الأحمر وهي بتحط إيديها على بوقها عشان تكتم شهقاتها.
صوت مدحت بره كان متغير، ما بقاش فيه نبرة الخوف ولا التمثيل اللي كان بيمثله في بيتنا.. الصوت المرادي كان فيه هوس مجنون، صوت واحد خلاص حس إنه غرقان وما بقاش باقي على حاجة:
* هاه يا بسنت؟ أظن السكوت ده معناه إنكِ جوة وبتموتي في جلدك من الخوف! فاكرة لما طلعتيني من بيتك مكسور ومفضوح؟ فاكرة لما إخواتك وقفوني في الأرض زي الحرامية؟ الملايين اللي كنتِ فاكرة إنكِ حميتيهم من جيب جوزك، هتطلع دلوقتي بالدم يا بسنت!
صوت ضربة تانية هزت الباب الحديد، وأنا كنت واقفة في نص المخزن، جسمي كله بيرتعش، بس عقلي كان بيلف في ساقية. بصيت حواليا في الظلام الدامس اللي مش منور منه غير خيط ضوء خفيف جاي من فتحة التهوية العالية. المكان كان مليان صناديق خشب قديمة، وبراميل صفيح فاضية، وشوية سلاسل وحديد مصدي من أكل الزمان.
شيماء قربت مني ووشها زي الجثة، همست وصوتها بيرتعش:
* بسنت.. الباب ده مش هيستحمل أكتر من ضربتين كمان.. الناس اللي بره دول ما عندهمش رحمة، دول أوباش ومدحت بايع قضية!
مسكت إيدها بقوة، وبصيت في عينيها بثبات اتخلق من رحم الرعب:
* مش هيمسوا مني شعرة يا شيماء.. مدحت فاكرني نفس الست اللي كانت بتسكت ودموعها على خدها، بس هو نسى إني بنت الراجل اللي كان بيهز الأرض برجليه. انزلي تحت الصناديق دي وما تفتحيش بوقك مهما حصل.
* وأنتِ؟
* أنا هقف له!
الباب اتخلع بفرقعة شديدة ونزل على الأرض برجة طيرت dust كثيف غطى المكان. دخل منه مدحت.. وش شكل تاني خالص. عينيه حمرا زي الدم، وشه شاحب وذقنه خفيفة، ولابس جاكيت جينز مقطوع، وفي إيده يمين مطواة قرن غزال بتلمع تحت الشباك، وجنبه اثنين من البلطجية اللي كانوا معاه في الكافيه، أجسامهم زي الحيطان وفي إيد كل واحد فيهم شومة حديد.
أول ما الرغوة والتراب قلوا، عين مدحت وقعت عليا. وقف في نص الباب، وابتسامة المريض النفسي اترسمت على شفايفه وهو بيمسح العرق من على وشه بضهر إيده:
* يا أهلاً.. العروسة مستنيانا جوة أهو! كتر خيرك يا بسنت، وفرتِ عليا التدوير والجرية في الشوارع.
قفت قدامه بثبات، خطوة واحدة ما رجعتهاش لورا، حطيت إيديا في جيوب عبايتي، وبصيت له ببرود ينقط سم:
* أهلاً يا مدحت.. شايفاك نزلت للحضيض أسرع مما كنت متوقع. بقى مدحت اللي كان عايز يفتح كافيه في التجمع ويقف يعمل معلم، بيمشي مع بلطجية وبيدور في مخازن مهجورة كأنه كلب شوارع؟
وشه أحمر وعينيه طلعت شرار، خطى خطوتين للقدام وهو بيرفع المطواة في وشي وبيصرخ بصوت طالع من زوره:
* اقفلي بوقك يا زبالة! أنتِ اللي عملتي فيا كده! أنتِ وإخواتك اللي حرمتوني من حقي ودمرتوا مستقبلي! لو كنتِ اديتيني الاتنين مليون بالذوق، كنا زماننا عايشين ملكين، بس أنتِ اخترتِ طريق الضرب والإهانة!
* حقك؟ هو أبويا كان خلفك ونسيك يا مدحت؟ الفلوس دي مال أبويا وعرق شقاه، مش عشان واحد صايع ونصاب يروح يستر بيهم ديونه ويسدد شيكاته!
البلطجي اللي واقف جنبه هز الشومة في إيده وقال بصوت خشن:
* اخلص يا مدحت! هتفضل تتكلم مع الحرمة لحد ما إخواتها يجوا؟ هات الفلوس والتوقيع واخلصنا، البوليس مش بعيد!
مدحت بص لي بغل وقرب أكتر، بمسافة شبرين بس بيني وبينه:
* المحامي ظبط التنازل والتحويل.. هتسحبي التليفون اللي في جيبك، وهتفتحي تطبيق البنك، وهتحولي المليون و850 ألف على الحساب ده.. والورقة دي هتتفضى عليها بصمتك بالدم قبل القلم!
* ولو قلت لأ يا مدحت؟
ضحك بصوت عالي، ضحكة خلت القشعريرة تسري في جسمي:
* لو قلتِ لأ.. مش ه تطلعي من هنا حيّة. وإخواتك هيستلموا جثتك من غير ما يعرفوا الفلوس راحت فين، وأنا هعرف أجيب باقي الفلوس من أمك العجوزة بالطريقة اللي تعجبني!
في اللحظة دي بالظبط، سمعنا صوت صفيح بيقع في ضهر المخزن! مدحت التفت بسرعة، والبلطجية رفعوا الشوم. شيماء من كتر الخوف اتقلمت حركتها وهزت الصناديق الخشب.
مدحت بص للصناديق وعينيه اتسعت:
* مين اللي جوة ده؟
وقبل ما يتحرك، أنا استغليت لحظة تشتيته. مسكت عصاية حديد صديدة كانت ملقية جنبي على برميل، ورزعتها بكل قوتي في ركبة مدحت!
صرخة مكتومة هزت المخزن لما مدحت وقع على ركبتيه، والمطواة طارت من إيده على الأرض. البلطجي الأول هجم عليا بالشومة، بس أنا تفاديتها وجريت ناحية الباب، وأنا بصرخ بأعلى صوتي:
* يا حسااااام! يا مصطفىىىى!
وفي نفس اللحظة اللي البلطجي كان هيمسكني فيها من زوري.. ظهرت أنوار كشافات عربيات قوية جداً دخلت من باب المخزن المكسور، وعمت عينين الكل!
صوت سرينات البوليس ضربت في الشارع المهجور بكثافة خلت الحيطان تهتز! ودخلت ثلاث عربيات شرطة ومعاهم عربية حسام ومصطفى اللي نزلوا يجرو زي الضباع!
حسام دخل الأول ومعه حجر رزع بيه البلطجي الأول في وشه وقعه أرضاً، ومصطفى هجم على البلطجي التاني وتفادى الضرب، وثبته في الحيطة وهو بيزق فيه بكل غله. الضباط والعساكر دخلوا في ثواني، السلاح كان متوجه على الكل:
* أثبت مكانك منك له! البوليس!
مدحت كان على الأرض بيمسك ركبته وبيزحف لورا كأنه صرصار مدهوس، عينيه كانت بتدور على أي مخرج بس العساكر حاصروه ورزقوا الحديد في إيديه وهو بيصرخ:
* يا باشا أنا المجني عليه! دول هجموا عليا! دي مراتي وكانت بتسرقني!
الضابط قرب منه وبص له بقرف، وطبطب على ظهر حسام:
* التليفون كان مفتوح خط مباشر معانا يا روح أمك.. التسجيل كله من أول ما هددتها بالقتل والبصمة بالدم لحد ما اتكلمت عن أمها تسجل بالكامل على أجهزة النيابة!
قرب حسام مني ومسكني من كتفي وهو بيلهث، عينيه كانت مليانة دموع رعب وخوف عليا:
* أنتِ كويسة يا بسنت؟ عمل فيكِ حاجة ابن الكلب ده؟
هزيت رأسي وأنا بدمع، بس المرادي كانت دموع الفرج:
* أنا كويسة يا حسام.. كويسة قوي.
شيماء خرجت من تحت الصناديق وهي بتعيط وبتصرخ، العساكر مسكوها بس أنا قربت من الضابط وقلت له:
* دي البنت اللي بلغت وهي اللي ساعدتني أوصل هنا يا فندم.. مالهاش ذنب في ترتيبات مدحت.
الضابط بص لشيماء وبعدين لمدحت اللي كان بيتسحب على الأسفلت والعساكر بياخدوه، وشه كان أسود ومضروب، والكلبشات بتاكل في إيديه. بص لي مدحت المرادي بقلة حيلة ونكسة عمره ما شافها، وقال بصوت مكتوم ومشروخ:
* بسنت.. سامحيني.. أرجوكِ قولي لهم يرحموني!
بصيت له بمنتهى الجمود والأنفة، وقلت له كلمتين بس قبل ما العسكري يزقه جوة البوكس:
* الحق ما بيموتش يا مدحت.. والرشوة والطمع أخرتهم السجن والدنس.
بعد ما المكان هدي والبوليس أخد مدحت والعصابة بتاعته، قعدنا أنا وإخواتي وشيماء في عربية حسام. كانت الساعة قربت على أربعة الفجر، والمطر بدأ ينزل بالراحة يغسل أسفلت الشارع.
حسام التفت ليا من الكرسي القدامي وقال بصوت هادي:
* المحضر اتعمل بالشروع في القتل والإكراه والابتزاز والتزوير.. مدحت مش هيشوف الشمس أقل من عشر سنين يا بسنت. وقضيته مع أبو شيماء والشيكات هتتفتح بكرة، يعني خسر كل حاجة.. الفلوس، والحرية، والاسم.
تنهدت تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدري، حسيت إن جبل كان جاثم على قلبي واتشال. مسكت التليفون وطلبت رقم أمي..
أول ما ردت بصوتها القلقان الدافي:
* بسنت؟ يا حبيبتي أنتِ فين؟ قلقنتوني عليكم من امبارح!
دمعة ناعمة نزلت على خدي، بس المرادي كانت ابتسامة أمل مالية وشي:
* أنا جاية في الطريق يا أمي.. حق أبويا رجع، ورأسك هتفضل مرفوعة طول العمر.
رجعت البيت، والبيت كانت ريحته لسه بخور وسدر.. بس المرة دي ما كانش بخور عزا.. كان بخور النصر والبداية الجديدة. بس الفرحة دي ما كملتش، لأن بعد أسبوع واحد بس من حبس مدحت.. جالي جواب مسجل بعلم الوصول على عنوان الشقة الجديدة.. جواب من المحكمة بطلب غريب جداً هز كياني من جديد!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






