
سكت ثانية، والكل كان متوقع إني هعيط أو أنزل على رجلها أبوسها زي ما جوزي كان فاكر. بس اللي عملته خلا الصالة كلها تسكت كأن طير خطف أرواحهم.
بصيت في عين حماتي مباشرة، بنظرة حادة خلتها ترجع نص خطوة لورا من غير ما تحس، وقولت بصوت واطي بس رنان سمعه كل اللي واقفين: “العشا اللي بتقولي عليه ده تعملوه بإيديكم، والبيت ده مش هحط فيه قشة تانية.. تلت سنين شيلت وساختكم وخدمتكم بلقمتي وكرامتي، والنهاردة خلاص، الحساب اتقفل.”
-
غرور 2منذ ساعة واحدة
-
غرور 1منذ ساعة واحدة
-
بنتى طمعانه فى خيرى 2منذ 8 ساعات
-
عزا أمىمنذ 16 ساعة
جوزي اتنطر من مكانه وجري عليا، وشه مخطوف من المفاجأة وقال وهو بيزعق عشان يداري خيبته قدام أمه: “انتي اتجننتي يا بت؟! انتي نسيتي نفسك؟! غوري على فوق بدل ما أمد إيدي عليكي قدام الكل!”
قربت منه خطوة واحدة، ومرفعتش عيني عن عينه وقولتله ببرود يقهر: “تمد إيدك على مين؟ انت مصدق إنك راجل بجد؟ الراجل اللي يبيع مراته ويستقوى عليها وسط حريمه ميتسماش راجل.. انتوا فاكرين إنكم كسرتوني بالورقة العرفي؟ الورقة دي تثبت إني كنت مغفلة، بس تثبت قدام ربنا والناس كلها إنكم نصابين.. وأنا خارجة من هنا ومش راجعة، وأعلى ما في خيلكم اركبوه.”
رميت مفتاح الشقة على الأرض قدام رجليه، ولفيت ضهري ومشيت ناحية الباب بخطوات تقيلة وواثقة، وسيبت ورايا بيت بيغلي من الصدمة، وأنا عارفة إن اللي جاي مش سهل، بس أهون ألف مرة من العيشة تحت مداس رجليهم.
خرجت من باب البيت والشمس بتضرب في وشي، لأول مرة من تلت سنين أحس بنسمة هوا نضيفة تدخل صدري، مفيهاش ريحة تراب سلالمهم ولا زفارة مطابخهم. رجلي كانت بتمشي بسرعة كأن الأرض نفسها بتطردني بعيد عن كابوسهم، والشنطة الصغيرة في إيدي خفيفة، بس الحمل اللي جوايا كان أتقل من جبال الدنيا.
وصلت حارة أبويا، البيت القديم المتهالك اللي اتربيت فيه. طلعت السلم وأنا قلبي بيدق زي الطبول؛ مكنتش خايفة من مواجهته، كنت مستنية أشوف وشه لما يعرف إن البضاعة اللي باعها رجعتله تاني كاسرة قيودها.
فتحت الباب بالمفتاح القديم اللي كان لسه معايا، لقيته قاعد على الكنبة بيشرب شاي ويدخن، أول ما شافني تنح وبصلي من فوق لتحت وقال باستغراب: “إيه اللي جابك يا بت في وقت زي ده؟ وفين جوزك؟ مفيش حد بيسيب بيته في عز النهار كده!”
قربت منه، رميت الشنطة على الترابيزة قدامه ووقفت مصلوبة الطول وقولتله بصوت قاطع: “جوزي رايح يخطب بنت عمه يا أبا.. وقالي انزلي اخدمي أمي تحت بعد ما شبعوا مني تلت سنين بالورقة اللي كتبتهالي وضحكت عليا بيها.”
أبويا وشه اصفر في ثانية، وحط كوباية الشاي بإيد مرتعشة وقال وهو بيحاول يداري ارتباكه: “تخطب إيه وتخاريف إيه؟! انتي اتجننتي؟ دا راجل وبيدفع، وأنا متفق معاه.. انتي أكيد عملتي مصيبة ولا قصرتي في خدمته وزعلتيه!”
ضحكت بسخرية وجع وقهر، وقربت منه خطوة زيادة وقولتله: “شاري إيه يا راجل يا طيب؟ شاري خدامة ببلاش؟ قالي بعضمة لسانه إنه مش هيديني حقوق.. بعتني بكام يا أبا؟ التلت سنين ذل وإهانة وضرب وقلة قيمة كانوا بكام في جيبك؟!”
أبويا قام وقف وعينه زاغت من الحقيقة اللي انكشفت في وشه، رفع صوته عشان يداري خيبته وقال: “صوتك ميعلاش عليا يا فاجرة! دا ستر وغطا عليكي، وبدل ما تحمدي ربنا جاية تعلي حسك؟ تلمي هدومك وترجعي تبوسي راس جوزك وحماتك، البيت ده ملوش مكان ليكي، والناس هنا مبترحمش، فما بالك باللي جوازها ملوش قسيمة رسمي!”
في اللحظة دي عرفت إن الضهر اللي كنت مستنياه يقويني مكسور من زمان، وإن السند اللي كنت فاكراه أبويا كان هو أول واحد غرس السكينة في ضهري.
بصيتله بجمود كأن المشاعر كلها ماتت جوايا، وقولتله: “الناس هتعرف الحقيقة كلها يا أبا.. هتعرف إنك رميت بنتك لجواز عرفي باطل.. والبيت ده أنا مش قاعدة فيه دقيقة واحدة، بس قسماً بربي، كل مليم اتسبب في كسرتي في البيت داك، هتدفعوا تمنه، أنتوا وهو، بالقانون وبالشرع.”
لفيت ضهري وخرجت وسيبته واقف بينادي عليا برعب وهو خايف من الفضيحة وسط أهل الحارة، ونزلت الشارع وأنا باخد عهد على نفسي: مش هرجع لنقطة الصفر، وهاخد حقي تالت ومتلت من كل اللي ظلموني.
نزلت الشارع وراسي مرفوعة، بس رجلي مكنتش عارفة توديني فين. الشوارع كانت زحمة والناس رايحة وجاية، وكل واحد ملهي في حاله، وأنا واقفة في وسطهم شنطتي في إيدي ودمي بيفور، بس مفيش في جيبي غير ملاليم متكفيش حتى أجرة مواصلة لآخر الخط.
افتكرت الست “أم بطرس”، جارتنا القديمة وصاحبة أمي الله يرحمها من زمان، الست الوحيدة اللي كانت بتخاف عليا وبتحذر أمي من طمع أبويا. مشيت لحد بيتها في آخر الحارة ودقيت الباب وأنا حابسة نفسي. أول ما فتحت وشافتني بوشي الشاحب والشنطة في إيدي، سحبتني لجوة وقفلت الباب من غير ما تنطق بحرف.








