روايات وقصص

غرور 1

بقلم امانى السيد

فاطمة نزلت عينيها على الأرض، بتبص للفلوس المرمية تحت رجليها بذهول، وكأنها مش قادرة تستوعب كمية الرخص اللي بتتعامل بيه بعد سنين من الشقا والعفة. رفعت راسها ببطء، بصتلي أنا الأول.. كانت بتدور في عيني على أي ذرة رجولة، أي لمحة من الراجل اللي حوشت من قوت يومها عشانه، بس أنا اتسمرت مكاني، حطيت إيدي في جيبي وبصيت في الأرض بهروب وجبن، خايف نورهان تحس بأي تردد مني فتسحب بساط العز اللي عيشتني فيه.
نورهان شافت صمتي ده إذن مفتوح تكمل سحقها لفاطمة، فقربت منها خطوة كمان، لدرجة إن ريحة عطرها الباريسي غطت على ريحة صابون الغسيل اللي طالعة من إيدين فاطمة. وبطرف صباعها اللي متركب عليه ضوافر تركيب غالية، رفعت دقن فاطمة بقرف وقالتلها:
“عارفة إيه اللي يضحك بجد؟ إنك كنتي فاكرة نفسك زوجة! إنتي مكنتيش أكتر من شغالة مؤقتة سابها وراه تنضف وراه وتصرف على أهله لحد ما يقف على رجليه ويلقى الست اللي تليق باسمه وثروته. بصي حواليكي كده.. بصي للحارة المعفنة والشقة الكئيبة دي، متخيلة إن الباشا بعد ما ركب أحدث العربيات وقعد في أفخم مطاعم، كان ممكن يرجع يدخل من الباب المخلع ده تاني وينام على مرتبة قطن؟”
ضحكت نورهان ضحكة رنت في مدخل العمارة كأنها سكاكين، ولفت ناحيتي وحطت إيدها على كتفي بدلال مستفز، وبصت لفاطمة وكملت:
“شكراً على مجهودك يا شاطرة، جه وقت تسليم الوردية لسيدة البيت الحقيقية. لمي بقى كراكيبك دي ومن غير شوشرة عشان البوليس ميجيش يرميكي برة، لأن الشقة دي صاحبها هيستلمها من بكرة، وجوزي ملهوش ذكريات هنا غير إنه يمسح سنين الفقر دي من حياته خالص.”
فاطمة مكنتش بترد ولا بتصرخ، بس الدموع كانت بتنزل على خدودها بصمت يحرق الحجر. شفايفها كانت بتتحرك بكلمات مش مسموعة، ولما عينيها جت في عيني لآخر مرة، حسيت بوجع خفي بيقرص ضميري، بس الخوف من نورهان شل لساني وخلاني واقف اتفرج زي الغريب اللي ملوش أي علاقة باللي بيحصل، مسلمها للذل والإهانة بإرادتي الكاملة.
نظرة فاطمة الأخيرة ليا كانت زي كرباج نزل على ضهري، بس الجبن كان متملك مني تماماً، واقف متخشب مكاني كأني تمثال شمع ملوش إرادة.
نورهان مكنتش شبعت لسه من الإذلال، حست إن سكوت فاطمة وكسرتها بيغذي غرورها أكتر، فمدت بوز جزمتها الجلد الغالية وزقت رزمة الفلوس اللي على الأرض وخبطتها في رجل فاطمة الحافية، وقالت بصوت مليان غل وتكبر:
“إيه؟ مش هتموتي وتاخدي القرشين دول؟ ولا عاملة فيها عزيزة نفس وبنت أصول؟ ده إنتي سنين عمرك كلها متسواش تمن الشنطة اللي في إيدي دي! يلا ورينا كرمك ولمي الفلوس دي من تحت رجلي وادعي للي عتقك وخلاكي تشوفي قرش حقيقي قبل ما تترمي في الشارع.”
فاطمة في اللحظة دي اتنفست نفس طويل، وصوت شهقتها المكتومة قطع سكون المكان. وطت ببطء شديد، مش عشان تلم الفلوس

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى